لم تعد الحروب الحديثة تُخاض فقط بالصواريخ والمسيّرات، خصوصاً لدى الجماعات التي تمتلك قدرات تكنولوجية كبيرة ومعروفة بعملها الأمني، إذ تمكنت من تحويل الهواتف الذكية إلى السلاح الأخطر في يد أجهزة استخباراتها، في كل حروبها، وآخرها الحرب على إيران، فالهاتف كشف تحركات قادة ومسؤولين كبار، وحوّل أي موقع محصّن إلى هدف مكشوف. تكشف مصادر إيرانية مطّلعة أنّ ما حصل في إيران خلال العدوان الإسرائيلي الأخير، شكّل مثالاً صارخاً على هذا الخطر، إذ إنّ شبكة كاملة من القادة والمسؤولين والعلماء سقطت في فخّ الاختراق عبر تتبّع إشارات الهواتف. المصادر نفسها تكشف أن المشكلة لم تكن حصراً في القيادات العليا التي غالباً ما تخلّت عن استخدام الهواتف في الاجتماعات، بل بكل الأشخاص المحيطين بهم، وهذا ما يخلق أزمة امنية كبيرة جداً، تشبه الأزمة التي مر بها حزب الله في لبنان في المرحلة التي شهدت اغتيال قادته، إذ لا يكفي أن لا تحمل الشخصية الأمنية الهاتف الخلوي، بل كل من هم محيطين بها، حتى أفراد عائلاتهم وأصدقائهم المقربين وحراسهم وسائقيهم الذين يستمرون باستعمال الهاتف بحكم طبيعة عملهم وارتباطهم اليومي بالحياة العامة، وهذا ما استفادت منه اسرائيل. وبحسب هذه المعطيات، فإنّ الهجمات التي طالت مواقع قيادية وأمنية حساسة في طهران لم تكن نتيجة عملاء ميدانيين بقدر ما كانت ثمرة تفوق تقني في اعتراض الإشارات وتحليلها، وهنا الحديث عن استهداف الرئيس الإيراني في ملجأ سري تحت الأرض في الجبال، حيث تؤكد المصادر ان كشف هذا الموقع لم يكن بسبب عميل على الأرض أو عميل في القيادة، بل بسبب تتبع حركة هواتف اشخاص يرافقون شخصيات كبيرة تواجدت في ذلك الاجتماع الشهير الذي تم استهدافه بعشرات الأطنان من القنابل، وهذا ما أكدته أيضاً تقارير إعلامية غربية في صحف عالمية مثل صحيفة” نيويورك تايمز” الأميركية التي تحدثت عن كيفية استفادة اسرائيل من الهواتف الخلوية في إيران لتحقيق أهدافها، مشيرة إلى أن الرئيس الإيراني نجا من الاستهداف بالصدفة حيث بقي مخرج وحيد ضيق مفتوح ومتاح رغم حجم القصف الكبير، فخرج منه بشق الأنفس. تقول المصادر الإيرانية عبر “الملفات” أن ما بعد الحرب لم يعد كما قبلها بما يتعلق بالإجراءات الأمنية، ولا يتعلق الأمر فقط بمسألة الهواتف، بل بكامل الخروقات التي تم رصدها في إيران والتي تبين انها كانت كبيرة ومتشعبة تبدأ من العملاء على الأرض، حيث تم توقيف المئات منذ بدء الحرب إلى اليوم، وتمر بملف المسيرات التي كانت تدخل أو تصنع داخل إيران على مدى أشهر وربما سنوات، وتصل إلى الملف التكنولوجي. وتشير المصادر إلى أن القيادة الإيرانية العليا أجرت تغييرات شاملة في المسؤوليات العسكرية، بعد فتح تحقيق واسع بكل من كان يتسلم مسؤولية أمنية وأظهر عجزاً او فشلاً فيها، وعززت انتشار وتواجد قوات الباسيج في الشوارع والمدن، وقررت اتخاذ تدابير صارمة بموضوع الهواتف للشخصيات المهمة والأساسية ومرافقيها. المصادر تشير إلى أنّ إيران “تتعامل مع الأمر كجرس إنذار وجودي”، لأن أي ثغرة مشابهة في المستقبل قد تمهّد لمحاولة اغتيال قيادات الصف الأول أو لتفجير مواقع حساسة، بما يهدد استقرار النظام من جذوره، علماً أن من بين الإيجابيات التي تنظر إليها القيادة الإيرانية هي أن العدو الإسرائيلي رمى بكل أوراقه الأمنية في الساعات الأولى للعدوان عليها، ولم يتمكن من إسقاط النظام، مشيرة إلى أن عمل سنوات كاملة من قبل أجهزة الإستخبارات الإسرائيلية سقط، وهذه نقطة إيجابية. المصدر : خاص الملفات – الكاتب والمحلل السياسي محمد علوش