September 26, 2026

من نيويورك إلى واشنطن.. سلام يفتح معركة تثبيت الدولة في الجنوب

لا يذهب رئيس الحكومة نواف سلام إلى نيويورك في زيارة دبلوماسية عادية، ولا يحمل معه ملفاً واحداً يمكن فصله عن بقية الملفات اللبنانية. فلبنان يدخل إلى أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة وسط مرحلة دقيقة تتقاطع فيها التطورات الميدانية في الجنوب مع مستقبل الوجود الدولي، ومسار المفاوضات مع إسرائيل، ودور الجيش اللبناني، إلى جانب الحاجة إلى دعم دولي لمسار التعافي وإعادة الإعمار والإصلاحات المالية. ومن هنا تبدو جولة سلام محاولة لوضع هذه الملفات ضمن سلة واحدة: الاستقرار الأمني في الجنوب لا ينفصل عن قدرة الدولة على بسط سلطتها، وهذه السلطة تحتاج إلى جيش قادر، كما تحتاج إلى غطاء دولي وإلى مسار سياسي يمنع بقاء الجنوب في دائرة التصعيد المفتوح. في نيويورك، حمل سلام موقفاً واضحاً بشأن الأولويات اللبنانية، إذ أكد التزام الحكومة ببسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها، بالتوازي مع التشديد على دعم الجيش وتعزيز قدراته، وعلى ضرورة استمرار وجود دولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة اليونيفيل تفادياً لأي فراغ. وهذه النقطة تحديداً تكتسب أهمية أكبر مع اقتراب نهاية العام، في وقت لم تُحسم فيه بعد صيغة المرحلة التي ستلي المهمة الحالية للقوات الدولية. المعضلة أن لبنان لا يتحرك في فراغ دولي، فمستقبل اليونيفيل لم يعد مجرد مسألة إجرائية مرتبطة بقرار تمديد سنوي، بل بات مرتبطاً بالنقاش الأوسع حول شكل الأمن في الجنوب ودور الدولة اللبنانية. وفي المقابل، يصر لبنان على أن أي ترتيبات مقبلة يجب ألا تؤدي إلى فراغ ميداني، خصوصاً في ظل استمرار الاعتداءات والتوتر على الحدود. ولذلك يبرز مطلب استمرار الوجود الدولي كجزء من محاولة الحفاظ على مظلة تمنع انفلات الوضع، بالتوازي مع تعزيز حضور الجيش اللبناني على الأرض. لكن السؤال الأساسي الذي يواجه لبنان لا يتعلق فقط ببقاء القوات الدولية من عدمه، بل بما سيأتي بعدها، وبأي شروط وقواعد عمل. فوجود اليونيفيل وحده لا يحسم النزاع، كما أن غيابها لا يعني تلقائياً انهيار الوضع الأمني، لكن أي انتقال غير مدروس قد يترك فراغاً في لحظة حساسة. ومن هنا تأتي أهمية الموقف اللبناني الذي يربط استمرار الوجود الدولي بدعم الجيش، بحيث لا يكون الدور الدولي بديلاً عن الدولة، بل عاملاً مساعداً لها إلى أن تصبح قادرة على تحمل مسؤولياتها كاملة. وفي هذا السياق، يحاول سلام تثبيت معادلة تقول إن تعزيز الدولة اللبنانية لا يمكن أن يسير من اتجاه واحد. فلبنان يطالب بانسحاب إسرائيلي كامل ووقف الاعتداءات، وفي الوقت نفسه يؤكد التزامه بحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة. وقد كرر سلام أمام الجالية اللبنانية في نيويورك أن هدف الحكومة هو أن تكون الدولة صاحبة السلطة على كامل أراضيها وأن يكون الجيش والقوى الشرعية مسؤولين عن أمن اللبنانيين، رابطاً ذلك أيضاً بعودة الأهالي إلى الجنوب وإطلاق مسار التعافي وإعادة الإعمار. وهنا تظهر أهمية انتقال سلام من نيويورك إلى واشنطن. فالمطلوب لبنانياً لا يقتصر على موقف سياسي أو بيان دعم، بل يتصل بقدرة المجتمع الدولي، وخصوصاً الولايات المتحدة، على المساعدة في تثبيت الجيش ودعم مؤسسات الدولة ودفع المسار السياسي المتعلق بالجنوب. وقد أكد سلام خلال لقائه السيناتور الأميركية جين شاهين أهمية استمرار الدعم الأميركي للجيش وتعزيز قدراته، إضافة إلى حشد الدعم للبنان في التعافي وإعادة الإعمار. وفي المقابل، طُرح أمامه أيضاً ملف الإصلاحات المالية وقانون الفجوة المالية كجزء من الشروط المطلوبة لاستكمال مسار لبنان مع صندوق النقد الدولي. وهذا يعني أن الرسالة اللبنانية في واشنطن ستكون مزدوجة: الأمن والسياسة من جهة، والاقتصاد والإصلاح من جهة أخرى. فالدولة التي تريد تثبيت حضورها في الجنوب تحتاج إلى جيش مدعوم وقادر، لكنها تحتاج أيضاً إلى اقتصاد قادر على تمويل مؤسساتها وإعادة إعمار المناطق المتضررة واستعادة ثقة الداخل والخارج. لذلك فإن لقاءات سلام المرتقبة مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومديرة صندوق النقد كريستالينا غورغييفا، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، تحمل ملفات مترابطة أكثر مما تبدو عليه للوهلة الأولى. أما التحدي الأكبر، فيبقى في تحويل الحراك الدبلوماسي إلى نتائج ملموسة. فلبنان يستطيع أن يطرح في نيويورك قضية الجنوب، وأن يطالب باستمرار الوجود الدولي، وأن يؤكد التزامه بالإصلاحات وبحصرية السلاح، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عند العودة إلى الأرض: هل يمكن تثبيت الانسحاب الإسرائيلي؟ هل يمكن وقف الاعتداءات؟ هل يمكن تعزيز انتشار الجيش وقدراته؟ وهل يمكن الوصول إلى صيغة دولية تمنع نشوء فراغ بعد انتهاء مهمة اليونيفيل؟ في المقابل، فإن المجتمع الدولي لا ينظر إلى الملف اللبناني من زاوية واحدة. فالدعم السياسي والأمني يرتبط أيضاً بمسار الإصلاح الداخلي، وبقدرة الدولة على تنفيذ ما تعهدت به. وهذا ما ظهر في لقاء سلام مع شاهين، التي شددت على مواصلة مسار حصر السلاح بيد الدولة، وعلى إقرار قانون الفجوة المالية والمضي في الإصلاحات المطلوبة للتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي. من هنا، تبدو زيارة سلام محاولة لبناء معادلة جديدة للمرحلة المقبلة، مفادها، جيش لبناني أكثر حضوراً وقدرة، وجود دولي يمنع الفراغ، مسار تفاوضي لمعالجة الوضع مع إسرائيل، وإصلاحات اقتصادية تفتح الباب أمام الدعم والتعافي. لكن نجاح هذه المعادلة لا يتوقف على ما يقوله لبنان في نيويورك وواشنطن فقط، بل على ما يستطيع تثبيته في الداخل وعلى الحدود. فالمطلوب في نهاية المطاف ليس مجرد دعم دولي للبنان، بل ترجمة هذا الدعم إلى ترتيبات تمنح الدولة مساحة أوسع للتحرك، وتعيد الجنوب تدريجياً إلى كنف مؤسساتها، وتفتح أمام البلاد طريقاً للخروج من الحلقة التي جمعت خلال السنوات الماضية بين الحرب والفراغ السياسي والانهيار الاقتصادي. المصدر : الملفات

بين دير ميماس والمنصوري.. الجيش اللبناني أمام اختبار تثبيت حضوره في الجنوب

في الجنوب، يعود مشهد يضع حضور الجيش اللبناني أمام اختبار جديد. فبعدما بات انتشار الجيش وتعزيز وجوده في المناطق الحدودية عنواناً أساسياً في المرحلة الحالية، تأتي التطورات الميدانية لتكشف أن تثبيت هذا الحضور على الأرض لا يزال يصطدم بتحركات إسرائيلية تفرض وقائع أمنية جديدة. في دير ميماس، أقام الجيش اللبناني في 10 أيلول نقطة مراقبة مؤقتة عند أطراف البلدة، بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، بهدف مواكبة الأهالي أثناء تفقد أراضيهم الزراعية. وبعد أيام، اقتربت قوة إسرائيلية من النقطة وألقت قنابل صوتية في محيطها، ما دفع الجيش إلى تعزيز موقعه ورفع الجهوزية، قبل أن تنسحب القوة الإسرائيلية إثر اتصالات عبر مجموعة التنسيق، ويعود عناصر الجيش إلى مركزهم الأساسي في البلدة. المشهد يعيد إلى الواجهة ما حصل في المنصوري، حيث كان الجيش يحاول تثبيت حضوره ومواكبة أعماله في المنطقة، قبل أن يتعرض أحد عناصره لإصابة جراء استهداف إسرائيلي لجرافة في البلدة. وفي الوقت نفسه، كانت القوات الإسرائيلية تواصل عملياتها العسكرية من قصف وتفجير وتجريف في عدد من بلدات الجنوب، في وقت كانت فيه الدولة اللبنانية تعمل على تعزيز انتشار الجيش في المنطقة. وهنا تبرز المفارقة الأساسية في المشهد الجنوبي، في الوقت الذي يُطلب فيه من الجيش اللبناني أن ينتشر أكثر وأن يثبت حضور الدولة على الأرض، تبقى حركته محكومة بواقع ميداني تفرض فيه إسرائيل وجودها العسكري وتتحرك ضمن ما تسميه “المنطقة الأمنية”. وفي دير ميماس تحديداً، لم تكن النقطة العسكرية موجودة خارج أي تنسيق، بل أُنشئت بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري، ومع ذلك تحولت خلال أيام إلى نقطة احتكاك بين الجيش اللبناني والقوة الإسرائيلية. وانتهى الاحتكاك بالاتصالات وانسحاب القوة الإسرائيلية، ثم عودة عناصر الجيش إلى مركزهم الأساسي. وهذا ما يجعل استحضار تجربة المنصوري لافتاً. فالمسألة لا تتعلق بتطابق كامل بين الحادثتين، بل بتشابه في المسار الذي يظهر أمام الدولة اللبنانية: انتشار للجيش، احتكاك مع القوات الإسرائيلية، تراجع أو إعادة تموضع، ثم استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي في المنطقة. أما الأخطر، فهو أن هذا المسار يأتي في مرحلة يُفترض فيها أن يكون الجيش اللبناني في صلب المعادلة الأمنية في الجنوب، مع تراجع تدريجي لدور اليونيفيل والاستعداد للمرحلة المقبلة. وبالتالي، فإن كل حادثة من هذا النوع لا تختبر فقط قدرة الجيش على الانتشار، بل تختبر عملياً مدى قدرته على الحفاظ على هذا الانتشار وممارسة دوره على الأرض. فالجيش اللبناني قد يكون موجوداً، وقد يتلقى دعماً دولياً لتعزيز قدراته، وقد يُطلب منه تولي مسؤوليات أكبر في الجنوب، لكن بقاء مناطق كاملة تحت ضغط التحركات الإسرائيلية والاحتلال يجعل مهمته أكثر تعقيداً. وما حصل في دير ميماس يعيد إظهار هذه المعضلة بوضوح، حضور الجيش موجود، لكن هامش حركته لا يزال يصطدم بوقائع ميدانية تفرضها القوة الموجودة على الجانب الآخر. وبين المنصوري ودير ميماس، تبدو الصورة الجنوبية أمام مسار حساس، الأول أن الدولة اللبنانية تحاول تكريس الجيش باعتباره الجهة الرسمية الموجودة على الأرض، فيما تستمر إسرائيل في عملياتها وتحركاتها، من دون أن تتوقف الوقائع الميدانية التي تعيد رسم المشهد يوماً بعد يوم. وفي النهاية، لا تكمن أهمية ما حصل في دير ميماس في القنابل الصوتية وحدها، بل في كونه حلقة جديدة في اختبار أصعب يتمحور حول كيف يمكن للجيش اللبناني أن يثبت حضوره في الجنوب إذا كان كل انتشار جديد قد يتحول إلى نقطة احتكاك، فيما تستمر إسرائيل في فرض واقعها العسكري على الأرض؟ المصدر : الملفات

لبنان أمام فاتورة الـ27 مليار دولار.. فمن يدفع ثمن إعادة الإعمار؟

حين أعلن رئيس الحكومة نواف سلام أن كلفة الحربين الأخيرتين قد تتجاوز 27 مليار دولار، لم يكن يعلن رقماً اقتصادياً فحسب، بل كان يضع أمام اللبنانيين صورة أولية لحجم الكارثة التي ستواجه الدولة في مرحلة ما بعد الحرب. فالرقم، على ضخامته، لا يشمل حتى كامل الخسائر غير المباشرة، من هجرة الكفاءات وخسارة الاستثمارات إلى تراجع قيمة الأصول وتأثر التعليم وتأخير مسار التعافي من الانهيار المالي المستمر منذ عام 2019. وبحسب المعطيات التي عرضها سلام أمام مجلس النواب، بلغت كلفة حرب 2023 نحو 14 مليار دولار، فيما تُقدّر كلفة الحرب الأخيرة بين 7 و9 مليارات دولار، مع توقع أن تتجاوز الكلفة الإجمالية للحربين 27 مليار دولار عند استكمال احتساب أضرار الحرب الأخيرة. والأخطر أن هذه الفاتورة تأتي في دولة تعاني أصلاً من أزمة مالية عميقة، وتحتاج إلى إصلاحات بنيوية واتفاق مع صندوق النقد الدولي كي تستعيد جزءاً من الثقة والقدرة على جذب التمويل. وهنا تبدأ المعركة الأصعب: من سيدفع فاتورة إعادة الإعمار؟ الدولة اللبنانية، بمواردها الحالية، لا تبدو قادرة على تحمّل هذا العبء منفردة، والحكومة نفسها تقر بأن إعادة الإعمار تحتاج إلى دعم عربي وتمويل خارجي، بالتوازي مع إصلاحات مالية ومصرفية قاسية. وهذا يعني أن مرحلة ما بعد الحرب لن تكون أقل تعقيداً من الحرب نفسها، لأن لبنان سيكون أمام حاجة هائلة إلى الأموال، مقابل اقتصاد لا يزال يعاني من آثار الانهيار، ومواطن لم يعد قادراً على تحمّل مزيد من الضرائب أو الإجراءات المالية القاسية. الأخطر سياسياً أن كلفة الحرب قد تتحول إلى محور أساسي في النقاش حول مسؤولية القرار السياسي والأمني. فكلما ارتفعت فاتورة الخسائر، سيُطرح السؤال بصورة أكبر: من يتحمل مسؤولية هذه الكلفة؟ ومن يقرر الذهاب إلى الحرب أو تجنّبها؟ وهل تستطيع الدولة أن تعيد بناء ما تهدّم فيما قرار الحرب والسلم لا يزال موضع خلاف داخلي؟ هنا يتداخل الاقتصاد بالسياسة بصورة مباشرة، لأن إعادة الإعمار تحتاج إلى استقرار، والاستقرار يحتاج إلى قرار سياسي واضح، والقرار السياسي يحتاج بدوره إلى توافق حول دور الدولة وسيادتها. لذلك، فإن رقم الـ27 مليار دولار ليس مجرد رقم يُضاف إلى سجل الخسائر اللبنانية، بل هو إنذار بأن لبنان يدخل مرحلة جديدة عنوانها “فاتورة ما بعد الحرب”؛ مرحلة ستختبر قدرة الدولة على الحصول على التمويل، وقدرتها على تنفيذ الإصلاحات، وقدرة الطبقة السياسية على الاتفاق على من يدفع الثمن وكيف يُعاد بناء البلد من دون تحميل المواطن وحده كلفة الانهيار والحرب. المصدر : الملفات

العفو العام أمام “الاختبار الأصعب”.. الشارع والسجون يترقّبان قرار المجلس الدستوري

دخل قانون العفو العام مرحلة أكثر تعقيداً بعدما قرر المجلس الدستوري وقف مفعوله بصورة مؤقتة، في خطوة أعادت الملف إلى دائرة التجاذب السياسي والقانوني، وفتحت الباب أمام أزمة جديدة تتجاوز النص القانوني نفسه إلى تداعياته الاجتماعية والأمنية. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بمن يستفيد من العفو ومن يستثنى منه، بل أصبحت اختباراً لقدرة المؤسسات الدستورية على حسم ملف شديد الحساسية من دون أن يتحول إلى مواجهة سياسية أو شعبية. قرار وقف المفعول لم يمر بهدوء، إذ بدأت تظهر تداعياته في الشارع وفي السجون، وصولاً إلى احتجاجات وقطع طرقات، فيما شهد سجن رومية تحركات احتجاجية من سجناء على خلفية الطعن بالقانون. وهذا التطور يعكس حجم الآمال التي علّقتها فئات من الموقوفين والمحكومين وعائلاتهم على القانون، مقابل المخاوف التي يثيرها العفو العام لدى أطراف سياسية وشعبية ترى أن أي عفو يجب أن يكون مضبوطاً بمعايير واضحة وألا يتحول إلى مدخل لإسقاط المسؤولية عن جرائم خطيرة. سياسياً، يضع الملف الدولة أمام معادلة شديدة الدقة، فمن جهة هناك مطلب قديم بإيجاد معالجة لملفات الموقوفين والمحكومين، ومن جهة أخرى هناك ضرورة الحفاظ على هيبة القضاء وعدم تحويل العفو إلى تسوية سياسية شاملة. وبين الطرفين يقف المجلس الدستوري أمام مسؤولية حسم دستورية القانون، بعيداً عن الضغوط السياسية والشعبية، في وقت باتت فيه كل خطوة مرتبطة مباشرة بردود فعل الشارع والسجون وعائلات الموقوفين. وقد يتحول العفو العام إلى اختبار جديد للعلاقة بين السلطتين التشريعية والقضائية، خصوصاً إذا انتهى الأمر إلى إسقاط القانون أو تعديله. فالقرار المرتقب لن تكون نتائجه محصورة في الإفراج عن مجموعة من السجناء أو استمرار احتجازهم، بل قد يعيد فتح النقاش حول طريقة إقرار القوانين الحساسة، وحدود تدخل السياسة في الملفات القضائية، وقدرة الدولة على معالجة ملف السجون والموقوفين من خلال حلول قانونية لا ترتبط كل مرة بتسوية سياسية ظرفية. المصدر : الملفات

جلسة مساءلة الحكومة وامتحان الثقة.. هل تصمد أمام عاصفة السلاح والتفاوض والاقتصاد؟

لم تكن جلسة مساءلة الحكومة أمام مجلس النواب مجرّد محطة دستورية لمناقشة أداء السلطة التنفيذية، بل تحوّلت إلى اختبار سياسي واسع للحكومة وللأكثرية النيابية التي منحتها الثقة، في لحظة لبنانية شديدة الحساسية تتقاطع فيها الملفات الأمنية والسيادية والاقتصادية مع الاستحقاقات الداخلية. ومع وصول عشرات النواب إلى لائحة طالبي الكلام، بدا واضحاً أن الجلسة لن تكون مناسبة لعرض الإنجازات الحكومية فحسب، بل مساحة مفتوحة لمواجهة سياسية حول الخيارات التي يُراد للبنان أن يسلكها في المرحلة المقبلة. وفي صلب النقاش برز ملف حصر السلاح بيد الدولة وقرار الحرب والسلم، إلى جانب مسار التفاوض مع إسرائيل، وهي ملفات تتجاوز الحكومة الحالية لتلامس جوهر التوازن السياسي في لبنان. رئيس الحكومة نواف سلام تمسّك بمبدأ حصرية القرار والسلاح بيد المؤسسات الشرعية، وربط المسار التفاوضي باستعادة الحقوق والسيادة وإنهاء الحرب والانسحاب الإسرائيلي، فيما حملت مداخلات نيابية، ولا سيما من جبران باسيل، سقفاً مرتفعاً من الاعتراض السياسي على أداء الحكومة وخياراتها. ومن هنا، تبدو أهمية الجلسة في كونها تكشف حجم المسافة بين القوى السياسية حول تعريف المرحلة المقبلة، هل الأولوية هي تثبيت سلطة الدولة وإنجاز الإصلاحات والانفتاح على الخارج، أم أن الظروف الأمنية والسياسية لا تزال تحول دون ترجمة هذه العناوين إلى خطوات عملية؟ فالمواجهة تحت قبة البرلمان ليست فقط بين حكومة ونواب، بل بين رؤيتين للبنان في مرحلة ما بعد الحرب: لبنان الذي يحاول استعادة قرار الدولة، ولبنان الذي لا تزال فيه الملفات السيادية مرتبطة بتوازنات داخلية وإقليمية شديدة التعقيد. ورغم أن إسقاط الحكومة لا يبدو السيناريو الأقرب، فإن جلسة المساءلة قد تكون بمثابة إعادة اختبار للثقة السياسية بها، خصوصاً في ظل الحديث عن تبدل في حجم التأييد النيابي مقارنة بلحظة نيلها الثقة. وبالتالي، فإن القيمة السياسية للجلسة لا تقاس فقط بنتيجة التصويت، بل بما ستنتجه من اصطفافات جديدة، وما إذا كانت الحكومة ستخرج منها أكثر قوة وقدرة على تنفيذ برنامجها، أم أن السجالات ستكشف بداية مرحلة أكثر صعوبة في علاقتها مع المجلس النيابي. المصدر : الملفات