June 5, 2026

اغتيال في الدامور وجثة في بصاليم.. التحقيقات تبحث عن القاتل

لم يكد اللبنانيون يستفيقون من صدمة العثور على جثة شاب في منطقة بصاليم، حتى باغتتهم أنباء جريمة أكثر قسوة في الدامور، استهدفت عنصراً في فوج حرس بيروت، لتتصاعد موجة القلق الشعبي ويُفتح باب الأسئلة على مصراعيه حول خلفيات ما يحدث خلال أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة. في الأول من أمس، عُثر على جثة الشاب رالف سليمان البالغ ثلاثة وعشرين عاماً ملقاة أسفل الطريق العام قرب مستشفى الشرق الأوسط في بصاليم، حيث أوحى المشهد الأولي بجريمة قتل غامضة، لكن القوى الأمنية التي حضرت سريعاً إلى المكان آثرت التريث، فجمعت الأدلة الجنائية وطلبت تقرير الطبيب الشرعي وفتحت تحقيقاً معمقاً لمعرفة ما إذا كان الأمر مجرد حادث عرضي أم عملية مدبّرة، خصوصاً أن المعطيات الأولية أشارت إلى أن الوفاة وقعت في ظروف غير طبيعية تتطلب كشفاً دقيقاً وتوسيع دائرة التحقيقات. لم تمض ساعات طويلة حتى اهتزت بلدة الدامور مساء على وقع إطلاق نار كثيف، بعدما لاحق مجهولون يستقلون سيارة ودراجة نارية الشاب خ. أ. م.، وهو عنصر في فوج حرس بيروت ومن أبناء البلدة، وأمطروه بالرصاص عند تخوم كنيسة مار إلياس بينما كان داخل سيارته، فسقط مضرجاً بدمائه ونُقل على عجل إلى المستشفى التركي في صيدا حيث خضع لعملية جراحية دقيقة، لكن رصاص الغدر كان أسرع، فأُعلن عن وفاته متأثراً بجراحه. هذه الجريمة التي استهدفت أحد أفراد الجهاز الأمني فتحت الباب على احتمالات واسعة، فهل نحن أمام عملية انتقام شخصي، أم رسالة موجّهة مباشرة إلى المؤسسة الأمنية، أم أنها حادثة معزولة مرتبطة بخلافات فردية؟ الأسئلة كثيرة، والقوى الأمنية التزمت الصمت مكتفية بالإعلان عن فتح تحقيق وملاحقة الجناة على وقع الاحتجاج الشعبي وقطع اوتوستراد الدامور. وما بين جثة ملقاة على قارعة الطريق في بصاليم وضحية اغتيال بالرصاص في الدامور، يظل الغموض سيّد الموقف وتبقى الفرضيات مفتوحة من نزاعات شخصية ومالية إلى احتمالات استهداف منظم ذي أبعاد أمنيّة خطيرة.ومع غياب أي بيان رسمي يوضح الدوافع، يتابع المحققون خيوطهم بين تسجيلات الكاميرات وشهادات الشهود وتحليل مسرح الجريمة، فيما يقف الشارع على حافة الهلع يتساءل إن كانت هذه الجرائم مجرد أحداث فردية متفرقة أم أنها مقدمة لمشهد أمني أكثر خطورة يهدد البلاد في ظل اهتزازاتها السياسية والاقتصادية. المصدر : الملفات

صور تتحوّل إلى مسرح أمني.. شاحنات السلاح الفلسطيني تدخل عهد الدولة

لم يكن مشهد اليوم عادياً في مدينة صور، إذ تحولت مداخل المخيمات الفلسطينية في الرشيدية والبص والبرج الشمالي إلى مشهد غير مسبوق حين خرجت سبع شاحنات محمّلة بأسلحة وذخائر متنوعة من الأزقة الضيقة باتجاه ثكنة فوج التدخل الثاني في الشواكير، لتُسلَّم رسمياً إلى الجيش اللبناني، في خطوة وُصفت بأنها مفصلية في مسار تثبيت سلطة الدولة وحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية. وقد جرت العملية تحت أعين قيادات بارزة لبنانية وفلسطينية في مشهد عكس تنسيقاً غير مسبوق بين الطرفين، حيث حضر رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني رامز دمشقية ومسؤول الأمن الوطني الفلسطيني اللواء صبحي أبو عرب ومدير مخابرات الجنوب العميد سهيل حرب وقائد فوج التدخل الثاني العميد جهاد خالد، ليؤكد هذا الحضور أن ما يجري ليس مجرد عملية تقنية لتسليم السلاح بل حدث سياسي أمني بامتياز. هذه المرة، الأسلحة التي سُلّمت لم تكن مجرد بنادق فردية، بل شملت قذائف B7 وصواريخ وذخائر ثقيلة لطالما شكّلت هاجساً أمنياً للدولة اللبنانية، وقد أوضح أبو عرب أن السلاح الثقيل أصبح اليوم أمانة بيد الجيش، فيما أكد عبد الهادي الأسدي المسؤول الإعلامي في الأمن الوطني الفلسطيني أن العملية تجري بتفاهم كامل مع المؤسسة العسكرية وستُستكمل حتى النهاية لضمان الأمن في البلاد والمخيمات معاً. أما دمشقية، فشدّد على أن “الخطوة إيجابية جداً وستُظهر لحركة حماس وسواها أن حماية المخيمات لا تأتي بالسلاح المنفلت بل بالالتزام بشرعية الدولة”. وبينما برز الجانب الأمني كواجهة للمشهد، لم يُخفِ الفلسطينيون أن القضية تحمل أبعاداً اجتماعية وإنسانية، من حق العمل إلى التمليك، باعتبار أن ضبط السلاح لا يمكن أن ينفصل عن تحسين ظروف عيش اللاجئين وتأمين حياة كريمة لهم داخل المخيمات. سياسياً، يُقرأ تسليم السلاح في صور كترجمة عملية لما أعلنه رئيس الجمهورية جوزيف عون والرئيس الفلسطيني محمود عباس في قمة أيار حين رُفع شعار سيادة الدولة فوق الجميع، لكن التحدي الفعلي يبدأ الآن مع التساؤلات حول المخيمات الأخرى التي لم تُسلّم بعد، وحول قدرة الجيش على الموازنة بين فرض سلطته وبين تجنّب أي توترات اجتماعية قد تنفجر في حال غابت الضمانات. كذلك، والأهم تبقى الأنظار شاخصة إلى مواقف الفصائل الفلسطينية، خاصة حماس، والتي قد تتردّد أو ترفض الانضمام إلى هذا المسار، فما بين واقع داخلي مأزوم وضغوط إقليمية متشابكة يظل السؤال الكبير مطروحاً: هل نحن أمام بداية عهد جديد من الاستقرار الأمني، أم أمام محطة رمزية سرعان ما تتلاشى تحت وطأة الحسابات السياسية؟ المصدر : الملفات

إهانة باراك للصحافيين تشعل بيروت… غضب رسمي وشعبي يطيح بجولته الجنوبية

أثارت تصريحات الموفد الأميركي توماس باراك في قصر بعبدا عاصفة من الغضب، بعدما وجّه إهانة مباشرة للصحافيين خلال مؤتمر صحفي عقده عقب لقائه رئيس الجمهورية جوزيف عون. باراك، الذي كان يتحدث من على منبر الرئاسة، لم يتردد في وصف سلوك الصحافيين خلال طرح أسئلتهم بأنه “فوضوي أشبه بالسلوك الحيواني”، مطالبًا إياهم بالتصرف بـ”حضارة ولطف وتسامح”. هذه العبارة وقعت كالصاعقة على الجسم الإعلامي اللبناني، الذي اعتبر أنّ ما قيل يكشف ذهنية استعلائية واستعمارية لا تليق بدبلوماسي زائر. ردّ رئاسة الجمهورية جاء سريعًا عبر بيان مقتضب عبّرت فيه عن أسفها لما صدر عن أحد ضيوفها، مؤكدةً تمسّكها باحترام الكرامة الإنسانية، ومجددة تقديرها للإعلاميين ودورهم في نقل الحقيقة. أما وزارة الإعلام، فرغم غياب الوزير بول مرقص عن البلاد، فقد عبّرت من خلال مكتبه عن استنكارها للكلام الموجّه إلى الصحافة، معتبرةً أن الصحافيين يؤدون رسالة نبيلة رغم كل التحديات، وأن كرامتهم محفوظة ومصانة. من جهتها، أطلقت النقابات الإعلامية، مواقف أكثر حدّة. ورأت نقابة محرّري الصحافة اللبنانية أن ما صدر ليس زلة لسان، بل إهانة متعمدة وخارجة عن أصول اللياقة والدبلوماسية، مطالبة باعتذار علني من باراك، ومهددة بمقاطعته في حال لم يُصحَّح الموقف. بدورها، وصفت نقابة المصوّرين الصحافيين ما جرى بالسابقة الخطيرة، معتبرة أن ما حصل لا يمكن السكوت عنه، فيما شدد مجلس نقابة الإعلام المرئي والمسموع على أن القصر الجمهوري لا يجوز أن يكون منبرًا لإهانة اللبنانيين وإعلامهم. المواقف الرسمية لم تقتصر على الرئاسة والوزارة، إذ برزت مواقف من نواب وشخصيات سياسية، أبرزها رئيس لجنة الإعلام والاتصالات النيابية إبراهيم الموسوي الذي وصف ما جرى بالإهانة الصارخة، داعيًا الحكومة إلى استدعاء السفيرة الأميركية وتوجيه توبيخ رسمي. أما على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد انعكس الغضب مضاعفًا، حيث اعتبر البعض أن ما جرى يعكس ذهنية استعمارية مقيتة. وتناقل الناشطون مقاطع الفيديو مع هاشتاغ “#إهانة_الإعلام_اللبناني”، مطالبين بمقاطعة الموفد الأميركي، فيما دعا آخرون إلى تنظيم احتجاجات رفضًا لاستباحة كرامة الصحافيين. هذا الغليان الشعبي دفع باراك إلى إلغاء جولته المقررة في الجنوب، حيث كان من المفترض أن يزور صور والخيام، وذلك خشية تصعيد الاحتجاجات. ولم تتوقف تداعيات الحادثة عند الداخل اللبناني، ففي نيويورك، علّق المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك مؤكدًا أن الصحافيين يستحقون دائمًا أعلى درجات الاحترام، في رسالة غير مباشرة إلى باراك تعكس إحراجًا دوليًا مما صدر عنه. وهكذا تحولت زيارة الموفد الأميركي إلى بيروت من محطة سياسية رفيعة إلى أزمة دبلوماسية وإعلامية. وبين ردود الفعل الرسمية المتحفظة وغضب النقابات والإعلاميين وانفجار مواقع التواصل، بدا المشهد وكأنه إجماع وطني غير مسبوق على رفض الإهانة والدفاع عن الصحافة باعتبارها خط الدفاع الأول عن الحرية والسيادة. المصدر : الملفات

رسائل واشنطن في بيروت: دعم مشروط ونزع السلاح في قلب المعركة

  شهد لبنان خلال الأيام الماضية حركة دبلوماسية أميركية مكثفة، تجسدت بزيارة وفدين متوازيين الأول من الإدارة الأميركية ضم المبعوث توم برّاك والناطقة السابقة باسم الخارجية مورغان أورتاغوس، والثاني وفد من الكونغرس الأميركي برئاسة السيناتورين ليندسي غراهام وجين شاهين، إلى جانب النائب جو ويلسون. اللقاءات التي عقدها المسؤولون الأميركيون مع الرؤساء الثلاثة في بعبدا وعين التينة والسراي الكبير، حملت رسائل متقاربة في المضمون وإن اختلفت في الأسلوب.فقد شدد برّاك على أنّ “الحكومة اللبنانية اتخذت الخطوة الأولى” عبر إعلان نيتها حصر السلاح بيد الدولة، لكنه أكد في المقابل أنّ أي مكسب لا يمكن أن يحصل عليه حزب الله من دون تقديم تنازلات، لافتًا إلى أنّ الجيش اللبناني هو الضامن لأي تسوية مقبلة. من جهتها، كانت أورتاغوس أكثر صراحة، إذ قالت إن واشنطن تنتظر من السلطات اللبنانية خطوات ملموسة لنزع سلاح الحزب، معتبرة أن الوعود لم تعد كافية، وأن استحقاق المهلة الأميركية يقترب بسرعة. في موازاة ذلك، حاول وفد الكونغرس إظهار دعم سياسي مباشر للمسار الذي أعلنته الحكومة، إذ اعتبرت السناتور جين شاهين أنّ نزع سلاح حزب الله “خطوة صعبة لكنها حاسمة”، مؤكدةً أنّ الولايات المتحدة ستواصل دعم الجيش اللبناني بما يحتاجه من إمكانات. أما السيناتور ليندسي غراهام، فربط بين مستقبل علاقات لبنان الإقليمية وبين نجاحه في حصر السلاح بيد الجيش، محذرًا من أن “التراجع لا التقدم” سيكون مصير البلاد إذا لم تتحقق هذه الخطوة. وذهب أبعد من ذلك حين تحدث عن احتمال توقيع اتفاق دفاعي بين واشنطن وبيروت يكرّس شراكة استراتيجية ويؤمّن حماية للنظام السياسي التعددي. من جانبه، ذكّر النائب جو ويلسون بالصلة التاريخية بين الولايات المتحدة والجالية اللبنانية، معتبراً أن اللحظة الراهنة تشكل فرصة تاريخية للبنان تشبه التحولات الكبرى التي عرفها العالم كسقوط جدار برلين. لكن هذه الرسائل الأميركية عالية السقف، اصطدمت بواقع لبناني أكثر تعقيدًا. فقد عبّر رئيس مجلس النواب نبيه برّي بوضوح عن خيبة أمل من الوفد الأميركي، قائلاً إنهم “أتونا بعكس ما وعدونا به”، في إشارة إلى غياب أي التزام إسرائيلي مقابل الخطوات اللبنانية. وبرغم أن رئيس الحكومة نواف سلام شدد على أنّ المسار المتخذ “لا رجعة عنه”، وأن الجيش سيضع خطة عملية قبل نهاية العام لتكريس احتكار الدولة للسلاح، فإن التوازن الداخلي يبقى هشًا، خصوصًا مع اعتراض قوى وازنة ترى في نزع سلاح المقاومة تهديدًا لدورها الدفاعي. إذاً، حملت زيارة الوفدين الأميركيين في طياتها مزيجًا من الدعم والضغط، ورسائل متعددة إلى الجيش والسلطة مقابل الـ “لا” ضمانات إسرائيلية. المصدر : الملفات

تسليم بلا مقابل: إنجاز لإسرائيل أم إحراج للبنان الرسمي؟

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في لبنان، سلّمت المديرية العامة للأمن العام الموقوف الإسرائيلي صالح أبو حسين، وهو شاب فلسطيني من عرب 48، إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر تمهيداً لإعادته عبر معبر رأس الناقورة. العملية جرت صباح الخميس، بعد أكثر من عام قضاه أبو حسين موقوفاً لدى السلطات اللبنانية منذ دخوله الأراضي اللبنانية بطريقة غير شرعية في تموز الماضي من العام 2024. في الإطار، أوضح البيان الرسمي الصادر عن الأمن العام أن التحقيقات التي جرت بإشراف القضاء العسكري لم تثبت أي شبهة أمنية بحق الموقوف، وأن كونه غير لبناني وتعذّر ترحيله أو إخلاء سبيله ضمن الإجراءات المعمول بها، دفع إلى تسليمه للصليب الأحمر بموافقته وبإشراف القضاء. وبذلك أرادت السلطات المعنية أن تُظهِر أن ما حصل لا يتعدّى كونه إجراءً قانونياً إدارياً لا يحمل أبعاداً سياسية أو تفاوضية. غير أنّ السرديات التي أحاطت بالقضية تعدّدت وتشعّبت ولفّها الغموض. فمحامية أبو حسين صرحت لوسائل الإعلام أن موكّلها لم يتسلل عمداً بل “تاه أثناء السباحة” واجتاز الحدود عن طريق الخطأ، مشيرةً إلى أنّه أمضى ثلاثة عشر شهراً في التوقيف من دون أن يُحاكَم، وأنه لا ملف قضائي أو أمني بحقه في لبنان. هذه الرواية التي تعاطت معها بعض الجهات المحلية لاقت انتشاراً كبيراً، خصوصاً أنها تقدّم القصة بلمسة إنسانية وبعيدة عن أي بعد استخباري أو عسكري. في المقابل، قدّم مكتب رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رواية مغايرة. فقد أعلن أن استعادة أبو حسين تمت بعد مفاوضات استمرت شهرين مع الجانب اللبناني، وبمواكبة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وأن الجنرال غال هيرش، منسّق شؤون الأسرى والمفقودين، هو من تسلّمه عند رأس الناقورة. وعلى الأثر سارع الإعلام العبري إلى وصف ما جرى بـ“الإنجاز التفاوضي”، مؤكداً في الوقت ذاته أنه لا يتعلّق بصفقة تبادل أسرى. وبغض النظر عن الطريقة التي تم التعاطي معها مع الخبر وما سُرّب، إلّا أن الانقسام بدا حاداً على مواقع التواصل الاجتماعي. إذ إن قسم من اللبنانيين صبّ جام غضبه على السلطة، معتبراً أن لبنان قدّم “هدية مجانية لإسرائيل” وتخلى عن فرصة لربط الخطوة بملف الأسرى اللبنانيين. فارتفعت أصوات تساءلت عن مصير الأسرى الذين لا يزالون خلف القضبان في السجون الإسرائيلية، معتبرةً أنّ ما حصل “مسّ بالسيادة” و”صفقة غامضة”. في المقابل، دافع آخرون عن الإجراء، معتبرين أنه إجراء إداري طبيعي، وأن الأمن العام تعامل مع الموقوف كما يتعامل مع أي أجنبي يعبر الحدود خلسة ولا يمكن ترحيله، وأن تحويل الأمر إلى قضية سياسية مجرد استثمار في المزايدات. هكذا، وجد اللبنانيون نفسهم أمام روايتين متناقضتين: واحدة رسمية تصف الخطوة بالإجراء القانوني البحت، وأخرى إسرائيلية تعرضها كإنجاز تفاوضي. وبينهما تسللت رواية ثالثة ذات طابع إنساني تقول إن شاباً تاه في البحر فوجد نفسه في قبضة المخابرات اللبنانية. هذا التباين في السرديات كشف بوضوح الفجوة في إدارة الخطاب الرسمي، وطرح تساؤلات حول قدرة الدولة على تحويل أي حدث مشابه إلى ورقة ضغط في ملف الأسرى اللبنانيين. في المحصّلة، لم يكن عبور صالح أبو حسين من بوابة رأس الناقورة مجرد تفصيل حدودي عابر، بل تحوّل إلى محطة سياسية وإعلامية بامتياز. ففي الوقت الذي سعت فيه الجهات الرسمية اللبنانية إلى تقديمه كإجراء إداري لا أكثر، نجحت تل أبيب في تصويره كإنجاز تفاوضي جديد، فيما وجد اللبنانيون أنفسهم أمام جدل جديد يضاف إلى سلسلة من الملفات التي تبقى مفتوحة على الغموض والتأويل. والأهم أنّ ما جرى أعاد إلى الواجهة ملف الأسرى والمعتقلين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية. فبينما يتحدث ناشطون حقوقيون عن عشرات المفقودين والأسرى الذين لم يُحسم مصيرهم بعد، رأى كثيرون أنّ لبنان كان أمام فرصة لاستثمار حالة أبو حسين في طرح قضيتهم على الطاولة الدولية. لكن غياب هذه المقاربة في الخطاب الرسمي ترك فراغاً ملأته إسرائيل بتصوير العملية كنجاح سياسي وأمني لها، فيما بقيت عائلات الأسرى اللبنانيين تتساءل عن جدوى دولة عاجزة عن توظيف أي ورقة ضغط، ولو كانت صغيرة، لمصلحتها. ولعلّ الخشية أن يتحوّل هذا الحدث إلى سابقة، يُعاد من خلالها كل “موقوف عابر” من دون أن يقابله أي تحريك جدي لملف الأسرى اللبنانيين. المصدر : الملفات