الجنوب داخل حدود إسرائيل.. خريطةٌ تفتح سجالًا وتطرح أسئلةً كبرى
لم تكن الخريطة التي نشرتها وزارة الخارجية الإسرائيلية، وظهرت فيها أجزاء من جنوب لبنان داخل المساحة المرسومة لإسرائيل، مجرد صورة عابرة. فالمنشور الذي كان يتناول أرقامًا مرتبطة بسوء التغذية أثار موجة غضب واسعة في لبنان، قبل أن يُحذف من حسابات إسرائيلية رسمية من دون تقديم توضيح واضح حول سبب ظهور الأراضي اللبنانية بهذه الصورة.
على مواقع التواصل، تحولت الخريطة سريعًا إلى قضية رأي عام، وخصوصًا بين الجنوبيين، الذين رأوا فيها محاولة لتكريس واقع جديد: أرض لبنانية تُرسم داخل حدود إسرائيل على الشاشة، بعدما باتت أجزاء منها خاضعة لوجود عسكري إسرائيلي على الأرض. وبين من اعتبرها «خطأً تقنيًا» ومن رأى فيها رسالة سياسية مقصودة، برز سؤال واحد: لماذا نُشرت الخريطة أصلًا، ولماذا حُذفت لاحقًا؟
الغضب لم يقتصر على المواطنين والناشطين، بل انتقل إلى المستوى السياسي. فقد اعتبر حزب الله أن نشر الخريطة يعكس أطماعًا إسرائيلية في الأراضي والثروات اللبنانية، ودعا الدولة اللبنانية إلى التعامل مع الأمر بجدية، وربط الخريطة بمسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، مطالبًا بإعادة النظر في هذا المسار والتحرك على المستوى الرسمي والدولي.
لكن قراءة المشهد تحتاج إلى وضع الخريطة في سياقها الأوسع. فمنذ بدء المواجهات، لم يعد الحديث الإسرائيلي عن الجنوب مقتصرًا على العمليات العسكرية؛ فقد ظهرت خرائط إسرائيلية تحدد مناطق انتشار الجيش داخل الأراضي اللبنانية، فيما تحدث مسؤولون إسرائيليون عن إنشاء «منطقة أمنية» في الجنوب. وهكذا، فإن الخريطة الجديدة تأتي في وقت تتقاطع فيه ثلاثة مسارات: وجود عسكري إسرائيلي على الأرض، مفاوضات سياسية بين بيروت وتل أبيب، ومحاولات لتثبيت خطوط انتشار جديدة.
وهنا تكمن النقطة الأكثر حساسية: الخريطة بحد ذاتها لا تعني قانونيًا أن إسرائيل أعلنت ضمّ أجزاء من جنوب لبنان، ولا توجد حتى الآن معطيات تثبت صدور قرار رسمي بهذا الاتجاه. لكن قيمتها السياسية لا يمكن تجاهلها، خصوصًا أن الخرائط في النزاعات ليست مجرد رسومات؛ فهي أداة لتثبيت الرواية والحدود والوقائع.
فإذا كان الأمر مجرد خطأ إنفوغرافي، يبقى السؤال: لماذا لم يصدر توضيح رسمي سريع؟ أما إذا كان انعكاسًا لسياسة أوسع، فالسؤال يصبح أخطر: هل تحاول إسرائيل تحويل وجودها العسكري المؤقت إلى واقع جغرافي وسياسي يمكن استخدامه لاحقًا على طاولة المفاوضات؟
وبينما يرى الجانب الإسرائيلي أن وجوده في الجنوب مرتبط باعتبارات أمنية ومنع تهديدات حزب الله، يتمسك لبنان بأن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تبدأ بالانسحاب من الأراضي اللبنانية واحترام سيادته. لذلك، فإن المعركة لا تجري فقط على الأرض، بل أيضًا على من يملك حق رسم الخريطة وتعريف الحدود.
وفي الجنوب، حيث ينظر الأهالي إلى بلداتهم كأرض وهوية وذاكرة، لم تكن الخريطة مجرد خطوط ملوّنة. بالنسبة لكثيرين، كانت صورة تختصر هاجسًا أكبر: أن يتحول ما بدأ كاحتلال عسكري مؤقت إلى أمر واقع دائم، ثم إلى ورقة تفاوضية.
ومن هنا، يبقى السؤال الذي يتجاوز «الغلطة» نفسها: هل أخطأت إسرائيل في رسم الخريطة، أم أن الخريطة كشفت إلى أين تريد أن يصل الواقع على الأرض؟
المصدر : الملفات















