September 17, 2026

لبنان أمام فاتورة الـ27 مليار دولار.. فمن يدفع ثمن إعادة الإعمار؟

حين أعلن رئيس الحكومة نواف سلام أن كلفة الحربين الأخيرتين قد تتجاوز 27 مليار دولار، لم يكن يعلن رقماً اقتصادياً فحسب، بل كان يضع أمام اللبنانيين صورة أولية لحجم الكارثة التي ستواجه الدولة في مرحلة ما بعد الحرب. فالرقم، على ضخامته، لا يشمل حتى كامل الخسائر غير المباشرة، من هجرة الكفاءات وخسارة الاستثمارات إلى تراجع قيمة الأصول وتأثر التعليم وتأخير مسار التعافي من الانهيار المالي المستمر منذ عام 2019.

وبحسب المعطيات التي عرضها سلام أمام مجلس النواب، بلغت كلفة حرب 2023 نحو 14 مليار دولار، فيما تُقدّر كلفة الحرب الأخيرة بين 7 و9 مليارات دولار، مع توقع أن تتجاوز الكلفة الإجمالية للحربين 27 مليار دولار عند استكمال احتساب أضرار الحرب الأخيرة. والأخطر أن هذه الفاتورة تأتي في دولة تعاني أصلاً من أزمة مالية عميقة، وتحتاج إلى إصلاحات بنيوية واتفاق مع صندوق النقد الدولي كي تستعيد جزءاً من الثقة والقدرة على جذب التمويل.

وهنا تبدأ المعركة الأصعب: من سيدفع فاتورة إعادة الإعمار؟ الدولة اللبنانية، بمواردها الحالية، لا تبدو قادرة على تحمّل هذا العبء منفردة، والحكومة نفسها تقر بأن إعادة الإعمار تحتاج إلى دعم عربي وتمويل خارجي، بالتوازي مع إصلاحات مالية ومصرفية قاسية. وهذا يعني أن مرحلة ما بعد الحرب لن تكون أقل تعقيداً من الحرب نفسها، لأن لبنان سيكون أمام حاجة هائلة إلى الأموال، مقابل اقتصاد لا يزال يعاني من آثار الانهيار، ومواطن لم يعد قادراً على تحمّل مزيد من الضرائب أو الإجراءات المالية القاسية.

الأخطر سياسياً أن كلفة الحرب قد تتحول إلى محور أساسي في النقاش حول مسؤولية القرار السياسي والأمني. فكلما ارتفعت فاتورة الخسائر، سيُطرح السؤال بصورة أكبر: من يتحمل مسؤولية هذه الكلفة؟ ومن يقرر الذهاب إلى الحرب أو تجنّبها؟ وهل تستطيع الدولة أن تعيد بناء ما تهدّم فيما قرار الحرب والسلم لا يزال موضع خلاف داخلي؟ هنا يتداخل الاقتصاد بالسياسة بصورة مباشرة، لأن إعادة الإعمار تحتاج إلى استقرار، والاستقرار يحتاج إلى قرار سياسي واضح، والقرار السياسي يحتاج بدوره إلى توافق حول دور الدولة وسيادتها.

لذلك، فإن رقم الـ27 مليار دولار ليس مجرد رقم يُضاف إلى سجل الخسائر اللبنانية، بل هو إنذار بأن لبنان يدخل مرحلة جديدة عنوانها “فاتورة ما بعد الحرب”؛ مرحلة ستختبر قدرة الدولة على الحصول على التمويل، وقدرتها على تنفيذ الإصلاحات، وقدرة الطبقة السياسية على الاتفاق على من يدفع الثمن وكيف يُعاد بناء البلد من دون تحميل المواطن وحده كلفة الانهيار والحرب.

المصدر : الملفات