September 23, 2026

من نيويورك إلى واشنطن.. سلام يفتح معركة تثبيت الدولة في الجنوب

لا يذهب رئيس الحكومة نواف سلام إلى نيويورك في زيارة دبلوماسية عادية، ولا يحمل معه ملفاً واحداً يمكن فصله عن بقية الملفات اللبنانية. فلبنان يدخل إلى أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة وسط مرحلة دقيقة تتقاطع فيها التطورات الميدانية في الجنوب مع مستقبل الوجود الدولي، ومسار المفاوضات مع إسرائيل، ودور الجيش اللبناني، إلى جانب الحاجة إلى دعم دولي لمسار التعافي وإعادة الإعمار والإصلاحات المالية. ومن هنا تبدو جولة سلام محاولة لوضع هذه الملفات ضمن سلة واحدة: الاستقرار الأمني في الجنوب لا ينفصل عن قدرة الدولة على بسط سلطتها، وهذه السلطة تحتاج إلى جيش قادر، كما تحتاج إلى غطاء دولي وإلى مسار سياسي يمنع بقاء الجنوب في دائرة التصعيد المفتوح.

في نيويورك، حمل سلام موقفاً واضحاً بشأن الأولويات اللبنانية، إذ أكد التزام الحكومة ببسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها، بالتوازي مع التشديد على دعم الجيش وتعزيز قدراته، وعلى ضرورة استمرار وجود دولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة اليونيفيل تفادياً لأي فراغ. وهذه النقطة تحديداً تكتسب أهمية أكبر مع اقتراب نهاية العام، في وقت لم تُحسم فيه بعد صيغة المرحلة التي ستلي المهمة الحالية للقوات الدولية.

المعضلة أن لبنان لا يتحرك في فراغ دولي، فمستقبل اليونيفيل لم يعد مجرد مسألة إجرائية مرتبطة بقرار تمديد سنوي، بل بات مرتبطاً بالنقاش الأوسع حول شكل الأمن في الجنوب ودور الدولة اللبنانية. وفي المقابل، يصر لبنان على أن أي ترتيبات مقبلة يجب ألا تؤدي إلى فراغ ميداني، خصوصاً في ظل استمرار الاعتداءات والتوتر على الحدود. ولذلك يبرز مطلب استمرار الوجود الدولي كجزء من محاولة الحفاظ على مظلة تمنع انفلات الوضع، بالتوازي مع تعزيز حضور الجيش اللبناني على الأرض.

لكن السؤال الأساسي الذي يواجه لبنان لا يتعلق فقط ببقاء القوات الدولية من عدمه، بل بما سيأتي بعدها، وبأي شروط وقواعد عمل. فوجود اليونيفيل وحده لا يحسم النزاع، كما أن غيابها لا يعني تلقائياً انهيار الوضع الأمني، لكن أي انتقال غير مدروس قد يترك فراغاً في لحظة حساسة. ومن هنا تأتي أهمية الموقف اللبناني الذي يربط استمرار الوجود الدولي بدعم الجيش، بحيث لا يكون الدور الدولي بديلاً عن الدولة، بل عاملاً مساعداً لها إلى أن تصبح قادرة على تحمل مسؤولياتها كاملة.

وفي هذا السياق، يحاول سلام تثبيت معادلة تقول إن تعزيز الدولة اللبنانية لا يمكن أن يسير من اتجاه واحد. فلبنان يطالب بانسحاب إسرائيلي كامل ووقف الاعتداءات، وفي الوقت نفسه يؤكد التزامه بحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة. وقد كرر سلام أمام الجالية اللبنانية في نيويورك أن هدف الحكومة هو أن تكون الدولة صاحبة السلطة على كامل أراضيها وأن يكون الجيش والقوى الشرعية مسؤولين عن أمن اللبنانيين، رابطاً ذلك أيضاً بعودة الأهالي إلى الجنوب وإطلاق مسار التعافي وإعادة الإعمار.

وهنا تظهر أهمية انتقال سلام من نيويورك إلى واشنطن. فالمطلوب لبنانياً لا يقتصر على موقف سياسي أو بيان دعم، بل يتصل بقدرة المجتمع الدولي، وخصوصاً الولايات المتحدة، على المساعدة في تثبيت الجيش ودعم مؤسسات الدولة ودفع المسار السياسي المتعلق بالجنوب. وقد أكد سلام خلال لقائه السيناتور الأميركية جين شاهين أهمية استمرار الدعم الأميركي للجيش وتعزيز قدراته، إضافة إلى حشد الدعم للبنان في التعافي وإعادة الإعمار. وفي المقابل، طُرح أمامه أيضاً ملف الإصلاحات المالية وقانون الفجوة المالية كجزء من الشروط المطلوبة لاستكمال مسار لبنان مع صندوق النقد الدولي.

وهذا يعني أن الرسالة اللبنانية في واشنطن ستكون مزدوجة: الأمن والسياسة من جهة، والاقتصاد والإصلاح من جهة أخرى. فالدولة التي تريد تثبيت حضورها في الجنوب تحتاج إلى جيش مدعوم وقادر، لكنها تحتاج أيضاً إلى اقتصاد قادر على تمويل مؤسساتها وإعادة إعمار المناطق المتضررة واستعادة ثقة الداخل والخارج. لذلك فإن لقاءات سلام المرتقبة مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومديرة صندوق النقد كريستالينا غورغييفا، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، تحمل ملفات مترابطة أكثر مما تبدو عليه للوهلة الأولى.

أما التحدي الأكبر، فيبقى في تحويل الحراك الدبلوماسي إلى نتائج ملموسة. فلبنان يستطيع أن يطرح في نيويورك قضية الجنوب، وأن يطالب باستمرار الوجود الدولي، وأن يؤكد التزامه بالإصلاحات وبحصرية السلاح، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عند العودة إلى الأرض: هل يمكن تثبيت الانسحاب الإسرائيلي؟ هل يمكن وقف الاعتداءات؟ هل يمكن تعزيز انتشار الجيش وقدراته؟ وهل يمكن الوصول إلى صيغة دولية تمنع نشوء فراغ بعد انتهاء مهمة اليونيفيل؟

في المقابل، فإن المجتمع الدولي لا ينظر إلى الملف اللبناني من زاوية واحدة. فالدعم السياسي والأمني يرتبط أيضاً بمسار الإصلاح الداخلي، وبقدرة الدولة على تنفيذ ما تعهدت به. وهذا ما ظهر في لقاء سلام مع شاهين، التي شددت على مواصلة مسار حصر السلاح بيد الدولة، وعلى إقرار قانون الفجوة المالية والمضي في الإصلاحات المطلوبة للتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي.

من هنا، تبدو زيارة سلام محاولة لبناء معادلة جديدة للمرحلة المقبلة، مفادها، جيش لبناني أكثر حضوراً وقدرة، وجود دولي يمنع الفراغ، مسار تفاوضي لمعالجة الوضع مع إسرائيل، وإصلاحات اقتصادية تفتح الباب أمام الدعم والتعافي. لكن نجاح هذه المعادلة لا يتوقف على ما يقوله لبنان في نيويورك وواشنطن فقط، بل على ما يستطيع تثبيته في الداخل وعلى الحدود. فالمطلوب في نهاية المطاف ليس مجرد دعم دولي للبنان، بل ترجمة هذا الدعم إلى ترتيبات تمنح الدولة مساحة أوسع للتحرك، وتعيد الجنوب تدريجياً إلى كنف مؤسساتها، وتفتح أمام البلاد طريقاً للخروج من الحلقة التي جمعت خلال السنوات الماضية بين الحرب والفراغ السياسي والانهيار الاقتصادي.

المصدر : الملفات