September 20, 2026

بين دير ميماس والمنصوري.. الجيش اللبناني أمام اختبار تثبيت حضوره في الجنوب

في الجنوب، يعود مشهد يضع حضور الجيش اللبناني أمام اختبار جديد. فبعدما بات انتشار الجيش وتعزيز وجوده في المناطق الحدودية عنواناً أساسياً في المرحلة الحالية، تأتي التطورات الميدانية لتكشف أن تثبيت هذا الحضور على الأرض لا يزال يصطدم بتحركات إسرائيلية تفرض وقائع أمنية جديدة.

في دير ميماس، أقام الجيش اللبناني في 10 أيلول نقطة مراقبة مؤقتة عند أطراف البلدة، بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، بهدف مواكبة الأهالي أثناء تفقد أراضيهم الزراعية. وبعد أيام، اقتربت قوة إسرائيلية من النقطة وألقت قنابل صوتية في محيطها، ما دفع الجيش إلى تعزيز موقعه ورفع الجهوزية، قبل أن تنسحب القوة الإسرائيلية إثر اتصالات عبر مجموعة التنسيق، ويعود عناصر الجيش إلى مركزهم الأساسي في البلدة.

المشهد يعيد إلى الواجهة ما حصل في المنصوري، حيث كان الجيش يحاول تثبيت حضوره ومواكبة أعماله في المنطقة، قبل أن يتعرض أحد عناصره لإصابة جراء استهداف إسرائيلي لجرافة في البلدة. وفي الوقت نفسه، كانت القوات الإسرائيلية تواصل عملياتها العسكرية من قصف وتفجير وتجريف في عدد من بلدات الجنوب، في وقت كانت فيه الدولة اللبنانية تعمل على تعزيز انتشار الجيش في المنطقة.

وهنا تبرز المفارقة الأساسية في المشهد الجنوبي، في الوقت الذي يُطلب فيه من الجيش اللبناني أن ينتشر أكثر وأن يثبت حضور الدولة على الأرض، تبقى حركته محكومة بواقع ميداني تفرض فيه إسرائيل وجودها العسكري وتتحرك ضمن ما تسميه “المنطقة الأمنية”.

وفي دير ميماس تحديداً، لم تكن النقطة العسكرية موجودة خارج أي تنسيق، بل أُنشئت بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري، ومع ذلك تحولت خلال أيام إلى نقطة احتكاك بين الجيش اللبناني والقوة الإسرائيلية. وانتهى الاحتكاك بالاتصالات وانسحاب القوة الإسرائيلية، ثم عودة عناصر الجيش إلى مركزهم الأساسي.

وهذا ما يجعل استحضار تجربة المنصوري لافتاً. فالمسألة لا تتعلق بتطابق كامل بين الحادثتين، بل بتشابه في المسار الذي يظهر أمام الدولة اللبنانية: انتشار للجيش، احتكاك مع القوات الإسرائيلية، تراجع أو إعادة تموضع، ثم استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي في المنطقة.

أما الأخطر، فهو أن هذا المسار يأتي في مرحلة يُفترض فيها أن يكون الجيش اللبناني في صلب المعادلة الأمنية في الجنوب، مع تراجع تدريجي لدور اليونيفيل والاستعداد للمرحلة المقبلة. وبالتالي، فإن كل حادثة من هذا النوع لا تختبر فقط قدرة الجيش على الانتشار، بل تختبر عملياً مدى قدرته على الحفاظ على هذا الانتشار وممارسة دوره على الأرض.

فالجيش اللبناني قد يكون موجوداً، وقد يتلقى دعماً دولياً لتعزيز قدراته، وقد يُطلب منه تولي مسؤوليات أكبر في الجنوب، لكن بقاء مناطق كاملة تحت ضغط التحركات الإسرائيلية والاحتلال يجعل مهمته أكثر تعقيداً. وما حصل في دير ميماس يعيد إظهار هذه المعضلة بوضوح، حضور الجيش موجود، لكن هامش حركته لا يزال يصطدم بوقائع ميدانية تفرضها القوة الموجودة على الجانب الآخر.

وبين المنصوري ودير ميماس، تبدو الصورة الجنوبية أمام مسار حساس، الأول أن الدولة اللبنانية تحاول تكريس الجيش باعتباره الجهة الرسمية الموجودة على الأرض، فيما تستمر إسرائيل في عملياتها وتحركاتها، من دون أن تتوقف الوقائع الميدانية التي تعيد رسم المشهد يوماً بعد يوم.

وفي النهاية، لا تكمن أهمية ما حصل في دير ميماس في القنابل الصوتية وحدها، بل في كونه حلقة جديدة في اختبار أصعب يتمحور حول كيف يمكن للجيش اللبناني أن يثبت حضوره في الجنوب إذا كان كل انتشار جديد قد يتحول إلى نقطة احتكاك، فيما تستمر إسرائيل في فرض واقعها العسكري على الأرض؟

المصدر : الملفات