August 3, 2026

قضية “التيكتوكرز”.. نهاية محاكمة أم بداية معركة لتعديل قانون العقوبات؟

بعد أكثر من عامين على واحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل في لبنان، أسدلت محكمة الجنايات في جبل لبنان الستار على ملف “التيكتوكرز” بإصدار الأحكام النهائية بحق المتهمين، لتنهي مساراً قضائياً طويلاً، لكنها في المقابل فتحت باباً واسعاً أمام نقاش قانوني وتشريعي حول مدى ملاءمة العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات اللبناني لجرائم بهذه الخطورة، ولا سيما تلك التي تطال القاصرين.

المحكمة خلصت في حكمها إلى عدم ثبوت وجود “عصابة اغتصاب” كما جرى الترويج له في بداية القضية، إلا أنها ثبّتت مسؤولية عدد من المتهمين عن جرائم خطيرة، أبرزها استدراج قاصرين عبر منصات التواصل الاجتماعي، والإكراه على ارتكاب أفعال منافية للحشمة، والاتجار بالأشخاص، إلى جانب جرائم أخرى متفاوتة.

وفي تفاصيل الأحكام، نال بيتر نفاع وبول أنطوان معوشي العقوبة الأشد، إذ حكمت المحكمة بسجن كل منهما 15 عاماً مع غرامة بلغت 10 مليارات ليرة لبنانية وتجريدهما من الحقوق المدنية. كما أصدرت حكماً غيابياً بحق حسن عبد القادر سنجر بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة عشر سنوات، إضافة إلى خمس سنوات عن جرم السرقة المشددة، في تطور لافت بعدما كان قد دخل الملف بداية بصفة مدعٍ قبل أن يتحول إلى متهم.
أما عبدو إيلي كيسو وجورج إلياس المبيض، فقد حُكم على كل منهما بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة ست سنوات بعد إدانتهما بجناية الإكراه على ارتكاب فعل منافٍ للحشمة، فيما صدر حكم بالأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات بحق يحيى محمد خلف، مع منعه من التصرف بأمواله وترحيله من لبنان بعد انتهاء تنفيذ العقوبة. كذلك، نالت غدير صالح غنوي حكماً بالأشغال الشاقة لمدة أربع سنوات بعد منحها الأسباب المخففة، في حين اقتصرت إدانة كريكور هايك طباجيان وخالد محمد مرعب على جنحة واحدة، فقضت المحكمة بحبس كل منهما سنة واحدة مع إطلاق سراحهما فوراً إذا لم يكونا موقوفين في ملفات أخرى، كما برأت عدداً من المتهمين لعدم كفاية الأدلة، وأحالت ثلاثة متهمين إلى المرجع المختص بالأحداث.

قانونياً، تبدو الأحكام منسجمة مع النصوص النافذة، فالمحكمة لا تملك صلاحية استحداث عقوبات أو تجاوز الحدود التي رسمها المشرّع، بل تلتزم بتطبيق المواد القانونية المتعلقة بكل جرم، كما أن القانون اللبناني يجيز إدغام العقوبات عند تعدد الجرائم، ويتيح للمحكمة منح الأسباب المخففة متى توافرت شروطها القانونية.

إلا أن النقاش لا يقف عند مدى صحة تطبيق القانون، بل يتجاوز ذلك إلى السؤال الأهم: هل تعكس هذه العقوبات فعلاً حجم الجرائم المرتكبة؟
فالقول إن شخصاً أدين بالإكراه على ارتكاب فعل منافٍ للحشمة بحق قاصر قد يقضي ست سنوات فقط في السجن، أو أن آخر ينال أربع أو خمس سنوات في جرائم مرتبطة باستغلال القاصرين، يثير تساؤلات واسعة لدى الرأي العام، ليس حول عمل المحكمة، بل حول النصوص القانونية نفسها التي تفرض سقفاً معيناً للعقوبة لا يستطيع القاضي تجاوزه.

ومن هنا، يرى كثير من القانونيين أن هذه القضية أعادت كشف فجوة قائمة منذ سنوات في قانون العقوبات اللبناني، إذ إن العديد من مواده وُضعت في زمن تختلف فيه طبيعة الجرائم وأساليب ارتكابها عن الواقع الحالي، ولم تكن الجرائم الإلكترونية أو الاستدراج عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو أشكال الاستغلال الحديثة بالقوة والانتشار اللذين نشهدهما اليوم.

فالضرر الذي يخلّفه الاعتداء على طفل أو قاصر لا ينتهي بانتهاء الجريمة، بل قد يمتد سنوات طويلة، وربما يرافق الضحية مدى الحياة، الأمر الذي يدفع إلى إعادة طرح سؤال جوهري حول فلسفة العقاب في لبنان، وما إذا كانت العقوبات الحالية تحقق الردع الكافي، أو أنها باتت بحاجة إلى مراجعة جذرية.

وفي هذا الإطار، تبدو قضية “التيكتوكرز” أبعد من مجرد ملف قضائي انتهى بصدور الأحكام، إذ تحولت إلى مناسبة لإعادة فتح النقاش حول ضرورة تحديث قانون العقوبات اللبناني، وتشديد العقوبات على الجرائم الواقعة على الأطفال والقاصرين، وجرائم الاستغلال الجنسي والاتجار بالأشخاص، بما يتناسب مع خطورتها وآثارها النفسية والاجتماعية، وبما يحقق حماية أكبر للضحايا وردعاً أكثر فعالية للجناة.

وبذلك، قد تكون الأحكام قد أنهت القضية داخل قاعة المحكمة، لكنها في المقابل فتحت معركة جديدة تحت قبة البرلمان، حيث باتت الحاجة ملحة لإعادة النظر في نصوص قانونية لم تعد، برأي كثيرين، تواكب حجم الجرائم التي يشهدها المجتمع اللبناني اليوم.

المصدر : خاص- الملفات