June 24, 2026

من طهران إلى واشنطن.. لبنان أول ثمار التفاهم الكبير

منذ الإعلان عن التفاهم الأميركي – الإيراني الأخير، دخل الشرق الأوسط مرحلة سياسية جديدة عنوانها الأساسي: خفض التصعيد مقابل فتح مسارات تفاوضية أوسع. وبينما انشغل العالم ببنود الملف النووي الإيراني ومضيق هرمز والعقوبات الاقتصادية، بدا واضحاً أن لبنان كان أحد أبرز الملفات التي حضرت بقوة على طاولة المفاوضات بين واشنطن وطهران، حتى إن وقف النار في الجنوب اللبناني تحوّل إلى أحد الاختبارات الأولى لنجاح هذا التفاهم.

بدأت القصة مع جولات التفاوض التي استضافتها سويسرا برعاية قطرية وباكستانية، حيث توصّل الأميركيون والإيرانيون إلى مذكرة تفاهم وضعت إطاراً عاماً لخفض التوتر في المنطقة خلال ستين يوماً، على أن تترافق مع لجان متابعة تقنية وسياسية لمعالجة الملفات العالقة. وبحسب ما تسرّب من أجواء المفاوضات، أصرت طهران على أن يكون الملف اللبناني جزءاً أساسياً من أي تفاهم إقليمي، معتبرة أن استمرار الحرب في لبنان يهدد أي تسوية أوسع بين الطرفين.

وفي هذا السياق، برزت آلية جديدة أُعلن عنها تحت مسمى “خلية منع التصعيد” أو “Deconfliction Cell”، وهي هيئة تضم الولايات المتحدة وإيران ولبنان، مع دور داعم لكل من قطر وباكستان، مهمتها مراقبة وقف إطلاق النار ومنع أي احتكاك ميداني قد يؤدي إلى انفجار الوضع مجدداً. اللافت في هذه الصيغة أنها استبعدت إسرائيل من عضويتها المباشرة، الأمر الذي أثار غضباً واضحاً داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية.

عملياً، انعكس هذا التفاهم سريعاً على الأرض اللبنانية. فبعد أسابيع من التصعيد العنيف بين إسرائيل وحزب الله، أعلنت واشنطن التوصل إلى وقف لإطلاق النار دخل حيّز التنفيذ بوساطة أميركية – قطرية وبدعم إيراني. ورغم تسجيل بعض الخروقات المحدودة، فإن وتيرة العمليات العسكرية تراجعت بشكل ملحوظ مقارنة بما كانت عليه خلال الأشهر السابقة.

أما لبنان الرسمي، فتعامل بحذر مع التطورات ورحب الرئيس جوزاف عون بأي جهد يؤدي إلى تثبيت الهدوء وإنهاء العمليات العسكرية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الأولوية اللبنانية تبقى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف الاعتداءات المتكررة واحترام السيادة اللبنانية. كما أبدت بيروت استعدادها للتعاون مع أي آلية دولية أو إقليمية تضمن استقرار الجنوب شرط ألا تتحول إلى منصة لتكريس وقائع سياسية جديدة على حساب الدولة اللبنانية.

في المقابل، نظرت إسرائيل إلى التفاهم بكثير من الريبة. فتل أبيب تعتبر أن أي اتفاق لا يتضمن معالجة مباشرة لسلاح حزب الله أو الحد من النفوذ الإيراني في لبنان سيكون ناقصاً وغير قابل للاستمرار. لهذا السبب صدرت مواقف إسرائيلية حادة اعتبرت أن التفاهم الأميركي – الإيراني يمنح إيران مساحة نفوذ إضافية داخل الساحة اللبنانية ويقيد حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية. حتى أن مسؤولين إسرائيليين تحدثوا عن خشية حقيقية من أن تكون واشنطن بصدد إعادة صياغة قواعد اللعبة في لبنان بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية التقليدية.

أما الإدارة الأميركية، فحاولت تقديم صورة مختلفة. وزير الخارجية ماركو روبيو ومسؤولون أميركيون آخرون شددوا على أن الهدف ليس تعزيز نفوذ إيران، بل منع الانزلاق نحو حرب إقليمية واسعة قد تمتد من لبنان إلى الخليج. وتعتبر واشنطن أن تثبيت الهدوء في الجنوب اللبناني يشكل مدخلاً أساسياً لإنجاح المسار التفاوضي الأوسع مع طهران، خصوصاً أن أي انفجار جديد على الجبهة اللبنانية قد ينسف كل التفاهمات الناشئة بين الطرفين.

على المستوى السياسي الأعمق، يمكن قراءة ما يجري باعتباره انتقالاً من مرحلة المواجهة المباشرة إلى مرحلة إدارة النفوذ. فالولايات المتحدة لا تبدو في وارد منح إيران انتصاراً مجانياً، لكنها في المقابل باتت تدرك أن تجاهل الدور الإيراني في لبنان لم يعد واقعياً. أما إيران، فترى أن إدراج لبنان ضمن التفاهمات الإقليمية يمنحها اعترافاً غير مباشر بدورها وتأثيرها في المعادلات الأمنية للمنطقة. وبين الطرفين، تحاول الدولة اللبنانية استثمار اللحظة الدولية لإعادة تثبيت دورها واستعادة بعض السيطرة على القرار الأمني والسياسي في الجنوب.

وفي موازاة هذه التطورات، انطلقت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن وسط مناخ جديد فرضه التفاهم الأميركي – الإيراني. إلا أن الفجوة لا تزال واسعة بين مطالب الجانبين؛ فلبنان يركز على الانسحاب الإسرائيلي ووقف الانتهاكات، بينما تصر إسرائيل على ملف سلاح حزب الله والضمانات الأمنية طويلة الأمد. لذلك لا يتوقع المراقبون اختراقاً سريعاً، بل مرحلة طويلة من المفاوضات التدريجية وإدارة الأزمات.

الخلاصة السياسية أن لبنان دخل فعلياً قلب التسوية الإقليمية الجديدة. فوقف إطلاق النار الحالي ليس مجرد هدنة ميدانية، بل نتيجة مباشرة للتفاهم الأميركي – الإيراني الناشئ.

وإذا نجحت واشنطن وطهران في تثبيت تفاهماتهما خلال الأسابيع المقبلة، فقد يتحول الجنوب اللبناني إلى أول نموذج عملي لسياسة “خفض التصعيد مقابل التفاوض”. أما إذا تعثرت المفاوضات أو عادت الخلافات إلى الواجهة، فإن الساحة اللبنانية ستكون من أولى الساحات المرشحة للعودة إلى التوتر، باعتبارها نقطة التماس الأكثر حساسية بين المشروعين الأميركي والإيراني في المنطقة.

المصدر : الملفات