عفوٌ عام أم عفوٌ بشروط؟.. الأسير و”جيش لحد” وقتلة العسكريين أمام اختبار القانون
بعد سنوات من الانتظار والجدل، أقرّ مجلس النواب قانون العفو العام، فاتحاً الباب أمام إنهاء ملاحقات وأحكام وعقوبات في عدد كبير من الجرائم المرتكبة قبل الأول من آذار 2026، لكن القانون الذي يحمل عنوان «العفو العام» لا يعني عفواً شاملاً عن جميع السجناء والموقوفين. فالنص يمنح العفو عن الجرائم المشمولة به، ويؤدي إلى سقوط الدعوى العامة ومحو العقوبات الأصلية والفرعية والتدابير الاحترازية، كما يشمل الملاحقات والأحكام والقرارات، سواء كانت وجاهية أو غيابية أو بمثابة الوجاهية.
هنا، لا بد من الإشارة إلى أن ما سيذكر أدناه هو بناء على القانون المعدل والمحال من اللجان النيابية وليس بحسب ما صدر من مجلس النواب بالأمس.
رسم القانون لائحة واسعة من الاستثناءات، ما يعني أن تحديد المستفيدين لا يتم على أساس اسم الشخص أو انتمائه إلى فئة معينة، بل انطلاقاً من الجرم المرتكب ووضع الملف القضائي والعقوبة الصادرة بحقه. ومن أبرز ما استُثني من العفو الجرائم المحالة على المجلس العدلي، والقتل عمداً أو قصداً بحق المدنيين أو العسكريين وعناصر القوى الأمنية، والجرائم العسكرية المحددة في قانون القضاء العسكري، إضافة إلى جرائم الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو، مع استثناء محدد أُدخل في النص لصالح فئة معينة من اللبنانيين الذين يشملهم القانون رقم 194/2011.
وهنا تحديداً تظهر إحدى أكثر النقاط حساسية في القانون: ليس صحيحاً أن كل من خدم في «جيش لبنان الجنوبي» سيستفيد تلقائياً من العفو. فالنص يستثني صراحة جرائم الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو، لكنه يستثني من هذا الاستثناء فئة محددة يحيل إليها في القانون 194/2011. وهذا القانون يميّز أصلاً بين اللبنانيين الذين انضووا عسكرياً وأمنياً في «جيش لبنان الجنوبي» وفرّوا إلى الأراضي المحتلة، وبين اللبنانيين الآخرين الذين لم ينضووا عسكرياً وأمنياً، بمن فيهم أفراد عائلات عناصر الميليشيا، والذين لجأوا إلى إسرائيل بعد التحرير. وبحسب نص القانون 194، فإن الفئة الأولى تخضع للمحاكمة عند العودة، فيما أُعطيت الفئة الثانية معالجة مختلفة لجهة العودة إلى لبنان.
وعليه، فإن اللبناني الذي كان عنصراً أو ضابطاً في «جيش لحد» لا يمكن اعتباره مستفيداً حكماً من العفو لمجرد وجوده في إسرائيل. بل يجب أولاً تحديد صفته والجرائم المنسوبة إليه، وما إذا كان يدخل فعلاً ضمن الفئة المستثناة من الاستثناء بموجب القانون 194/2011. وهذه من النقاط التي ستحتاج عملياً إلى تدقيق في كل ملف على حدة، ولا يجوز اختصارها إعلامياً بعبارة «العفو شمل عملاء إسرائيل» أو «العفو لم يشملهم» بصورة مطلقة.
أما الملف الأكثر إثارة للجدل، فهو قتل العسكريين وعناصر القوى الأمنية. وهنا النص واضح في إحدى أهم نقاطه: الجرائم التي تتضمن القتل عمداً أو قصداً بحق المدنيين أو العسكريين وجميع عناصر القوى الأمنية مستثناة من العفو العام، سواء صدر الحكم أم لم يصدر. وبالتالي، فإن مجرد كون الشخص من الموقوفين الذين ينتظرون العفو لا يكفي لإخراجه إذا كان الجرم الذي يحاكم عليه يقع ضمن هذا الاستثناء.
لكن القانون يفتح في الوقت نفسه باباً مختلفاً تماماً: تخفيض العقوبة. فالمادة الثالثة تنص على أنه في الجرائم التي لا يشملها العفو، تُستبدل عقوبة الإعدام بـ28 سنة سجنية، وتصبح الأشغال الشاقة المؤبدة 17 سنة سجنية، فيما تُخفض سائر العقوبات بمقدار الثلث. وهذا يعني أن الاستثناء من العفو لا يساوي بالضرورة بقاء العقوبة كما هي؛ فقد يكون الشخص غير مشمول بالعفو الكامل، لكنه يستفيد من تخفيض مدة العقوبة وفق شروط النص.
وهذه النقطة تحديداً هي التي تفسّر جانباً كبيراً من الالتباس حول القانون: هناك فرق بين أن يسقط الجرم أو العقوبة بفعل العفو، وبين أن تبقى الإدانة ويُخفض مقدار العقوبة. وبالتالي، لا يمكن القول إن شخصاً «استفاد من العفو» بالمعنى نفسه الذي يستفيد فيه شخص آخر من تخفيض مدة سجنه. الأول قد تنتهي بحقه الدعوى العامة والعقوبة، أما الثاني فيبقى محكوماً، لكن بمدة أقصر.
ومن أبرز الاستثناءات أيضاً جنايات التكرار في المخدرات، وجميع جرائم المخدرات المرتكبة من العسكريين وعناصر القوى الأمنية، مع إبقاء جرائم زراعة المواد المخدرة خارج هذا الاستثناء، إضافة إلى الاعتداءات المستمرة على الأملاك العامة، والجرائم الواقعة على المال العام، وجرائم مكافحة الفساد والإثراء غير المشروع وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والجرائم المصرفية، فضلاً عن جرائم الاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء الجنسي والتعذيب والإخفاء القسري، وبعض جرائم السرقة المتكررة والجرائم البيئية.
وفي المقابل، لم يكتف القانون بالعفو، بل عالج أيضاً أزمة الموقوفين الذين أمضوا سنوات طويلة خلف القضبان من دون صدور أحكام. فالمادة الخامسة تنص على أنه في الجرائم المرتكبة قبل الأول من آذار 2026 والتي لم يصدر فيها حكم، إذا تجاوزت مدة التوقيف 14 سنة سجنية، يصبح على القاضي إخلاء سبيل المدعى عليه حكماً، على أن تستمر محاكمته وفق الأصول القانونية. وهذه نقطة مختلفة عن العفو، لأن إخلاء السبيل هنا لا يعني إسقاط المحاكمة أو إعلان البراءة، بل خروج الموقوف من السجن مع استمرار الإجراءات القضائية بحقه.
أما أحمد الأسير، فلا يمكن التعامل مع ملفه وفق قاعدة «العفو يشمله أو لا يشمله» فقط. فبحسب قراءة النص، يجب الفصل بين العفو الكامل وبين تخفيض العقوبة. وبما أن القانون يستثني جرائم القتل العمد أو القصدي والجرائم الإرهابية والجرائم العسكرية من العفو، فإن تحديد مصير الأسير يتوقف على الأوصاف الجرمية والأحكام التي صدرت بحقه تحديداً، وعلى إمكانية انطباق أحكام تخفيض العقوبة عليه، لا على عنوان «العفو العام» وحده. وبعبارة أوضح: القانون لا يعني أن الأسير سيخرج فوراً بمجرد نشره، لكن ذلك لا يمنع بحث استفادته من أحكام تخفيض العقوبة إذا توافرت شروطها القانونية.
ومن الناحية القانونية، فإن المادة الثالثة هي إحدى أهم مفاتيح فهم هذا الملف، لأنها تقول صراحة إن العقوبات في الجرائم غير المشمولة بالعفو تُخفّض وفق آلية محددة، مع اشتراط الحصول على إسقاط الحق الشخصي في الحالات التي يكون فيها المتضرر قد اتخذ صفة الادعاء الشخصي قبل الأول من آذار 2026. وهذا يعني أن بعض الملفات التي لا تستفيد من العفو الكامل قد تجد طريقها إلى تخفيض العقوبة، لكن ليس بالضرورة إلى خروج فوري.
كما أن القانون أبقى للمتضررين حقهم في المطالبة بالحقوق الشخصية والتعويضات، حتى في الحالات التي شملها العفو أو تخفيض العقوبة، وحدد آليات متابعة هذه الحقوق أمام القضاء. وبالتالي فإن العفو العام، حتى عندما يسقط الدعوى العامة أو العقوبة، لا يعني بالضرورة سقوط حقوق المتضررين المالية والشخصية.
وفي خلفية القانون، تبدو الأسباب الموجبة واضحة في تقديمه كإجراء استثنائي لمعالجة أزمة التأخير في المحاكمات، وتراكم الملفات، وطول التوقيف الاحتياطي، واكتظاظ السجون، وما تعتبره الأسباب الموجبة مساساً بحقوق الموقوفين وكرامتهم الإنسانية. لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن العفو ليس بديلاً عن إصلاح القضاء والسجون، بل إجراء استثنائي ومؤقت يفترض أن يترافق مع إصلاحات أوسع لتفعيل المحاكمات وتحسين أوضاع السجون.
وهنا يكمن جوهر الجدل: هل يطوي قانون العفو العام ملفات إنسانية وقضائية تراكمت على مدى سنوات، أم أنه يفتح الباب أمام تسويات جديدة حول ملفات شديدة الحساسية؟ فبين موقوفين أمضوا سنوات من دون محاكمة، ومحكومين بجرائم خطيرة، وملفات مرتبطة بـ«جيش لبنان الجنوبي» والوجود في إسرائيل، وجرائم قتل العسكريين، والمخدرات والجرائم المالية، لا توجد إجابة واحدة تنطبق على الجميع.
لذلك، فإن السؤال الأدق بعد إقرار القانون ليس «من شمله العفو؟» فقط، بل «أي نوع من الاستفادة أعطى القانون لكل فئة؟». هناك من تسقط بحقه الملاحقة والعقوبة، وهناك من يحصل على تخفيض للعقوبة، وهناك من يخرج من السجن بعد طول توقيف فيما تستمر محاكمته، وهناك من يبقى خارج نطاق القانون بسبب طبيعة الجرم. وهذا تحديداً ما يجعل تطبيق القانون في الأيام المقبلة أهم من عنوانه السياسي، لأن القضاء هو الذي سيحدد، ملفاً بعد ملف، من سيخرج فعلاً ومن سيبقى خلف القضبان.
المصدر : الملفات















