August 19, 2026

كهرباء لبنان تحذّر: ادفعوا خلال 5 أيام.. وإلا العتمة!

في بلد اعتاد اللبنانيون فيه على التقنين، لم يعد السؤال اليوم فقط عن عدد ساعات التغذية الكهربائية، بل عن قدرة مؤسسة كهرباء لبنان نفسها على الاستمرار في تأمين هذه التغذية في ظل أزمة مالية متفاقمة، وتراجع الجباية، وارتفاع كلفة المحروقات، وتراكم المستحقات.

الإنذار الأخير الذي وجهته مؤسسة كهرباء لبنان إلى الإدارات والمؤسسات العامة والجهات المتخلفة عن تسديد فواتيرها يعيد ملف الكهرباء إلى الواجهة بقوة. المؤسسة أعلنت إجراءات استثنائية، محذرة من اتخاذ قرار بقطع التيار عن الجهات غير المسددة، ومشددة على ضرورة تفعيل الجباية وإزالة التعديات على الشبكة.

لكن خلف عبارة “ادفعوا خلال خمسة أيام” توجد أزمة أكبر بكثير من مجرد فواتير غير مسددة.
فبحسب بيانات مؤسسة كهرباء لبنان، بلغت المستحقات المتراكمة على عدد من الإدارات والمؤسسات العامة والمصالح المستقلة نحو 270 مليون دولار وفق التعرفة الجديدة، إضافة إلى مستحقات مرتبطة باستهلاك المخيمات الفلسطينية تقدّر بنحو 30 مليون دولار سنوياً. وتقول المؤسسة إن تحصيل هذه المستحقات يمكن أن يساهم في زيادة التغذية بنحو ساعتين يومياً.

وهنا تظهر المفارقة، فالمواطن اللبناني يُطلب منه تسديد فاتورته، فيما الدولة نفسها ومؤسساتها الرسمية مدينة لمؤسسة الكهرباء بمبالغ ضخمة.
لكن الأزمة لا تتوقف عند المتأخرات، فكهرباء لبنان تقول إن قدرتها على تأمين التغذية مرتبطة بشكل مباشر بقدرتها على شراء الفيول، وإن مواردها المالية الذاتية والجباية أصبحتا عنصرين أساسيين في استمرار الإنتاج. وفي الوقت نفسه، لا تزال المؤسسة تواجه مشكلة التعديات على الشبكة والخسائر الناتجة عنها، إضافة إلى كلفة الإنتاج المرتفعة.

ورغم ذلك، شهد قطاع الكهرباء تحسناً نسبياً في ساعات التغذية خلال الفترة الماضية، وفق المؤسسة، التي تؤكد أن الجباية وحملات إزالة التعديات ساهمتا في هذا التحسن.

وهذا يجعل الإنذار الأخير أكثر أهمية، فهل نحن أمام أزمة مؤقتة في السيولة، أم أمام خطر حقيقي على استدامة التحسن الذي تحقق؟
في الحقيقة، المعادلة واضحة، إذ إن مؤسسة الكهرباء تحتاج إلى الأموال لشراء المحروقات وتشغيل معامل الإنتاج، وهذه الأموال تأتي بصورة أساسية من الجباية. كلما ارتفعت نسبة الفواتير غير المسددة والتعديات، تقل قدرة المؤسسة على تمويل الإنتاج، ومع انخفاض الإنتاج تعود ساعات التقنين إلى الارتفاع، فيضطر المواطن إلى زيادة الاعتماد على المولدات والطاقة البديلة، فتتضاعف كلفته.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل السؤال الآخر: هل المواطن مستعد لدفع فاتورة كهرباء مرتفعة إذا لم يحصل على خدمة مستقرة؟
هذه هي العقدة الأساسية في قطاع الكهرباء منذ سنوات. الدولة تريد تحسين الجباية، والمواطن يريد خدمة أفضل، والمؤسسة تحتاج إلى موارد مالية ثابتة، فيما لا تزال البنية التحتية تعاني من مشكلات مزمنة.

واللافت أن مؤسسة كهرباء لبنان تؤكد أن التعرفة الحالية لم تُعدّل في المرحلة الأخيرة، وأن أول 100 كيلوواط/ساعة تُحتسب بسعر مدعوم، فيما تُحتسب الكمية التي تتجاوز ذلك بتعرفة أعلى.

وفي حال نجحت مؤسسة كهرباء لبنان في تحصيل المستحقات، فقد يكون لذلك أثر مباشر على ساعات التغذية. أما إذا بقيت الديون تتراكم، فقد تجد المؤسسة نفسها أمام معادلة صعبة، إما تقليص التغذية، أو استنزاف مواردها المالية، أو البحث مجدداً عن تمويل خارجي.

لهذا، فإن إنذار الأيام الخمسة ليس مجرد خبر إداري. إنه اختبار حقيقي لقدرة الدولة على التعامل مع مؤسسة أساسية يفترض أن تكون جزءاً من البنية التحتية الاقتصادية، لا أن تبقى رهينة أزمة مالية متكررة.

وفي بلد يدفع فيه المواطن فاتورة كهرباء للدولة، وفاتورة أخرى للمولد، وأحياناً كلفة إضافية للطاقة الشمسية والبطاريات، يصبح السؤال مشروعاً: إلى متى سيبقى اللبناني يدفع أكثر من مرة مقابل الخدمة نفسها؟

 

المصدر : الملفات