لبنان أمام أسبوع مفصلي.. الجنوب يصعّد والشارع يضغط والحكومة في الاختبار
لا يبدو هذا الأسبوع في لبنان أسبوعاً عادياً، بعدما تراكمت فوق الطاولة مجموعة من الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية في وقت واحد. ففي الجنوب، يستمر التصعيد الإسرائيلي فيما تحاول الحكومة اللبنانية الدفع باتجاه مسار تفاوضي يحمي البلاد ويثبت دور الدولة، وفي الخارج تستكمل الدبلوماسية اللبنانية حركتها من نيويورك إلى واشنطن، بينما في الداخل تتقدم الملفات المعيشية والنقابية لتفرض نفسها مجدداً على جدول الأعمال. وبين هذه المسارات، تجد الحكومة نفسها أمام اختبار إدارة أكثر من أزمة في الوقت نفسه، من دون أن يكون أي منها قابلاً للتأجيل طويلاً.
لكن أهمية هذا الأسبوع لا تأتي فقط من الحركة الخارجية. فالداخل اللبناني يعيش بدوره مرحلة من الضغط المتراكم، خصوصاً على المستوى المعيشي. ارتفاع أسعار المحروقات وتراجع القدرة الشرائية أعادا التحركات النقابية والمطلبية إلى الواجهة، مع اعتصامات وتحركات في أكثر من منطقة، فيما يُنتظر أن تبحث اللجنة المعنية بالمؤشر مع الاتحاد العمالي العام والهيئات الاقتصادية في الملفات المرتبطة بالأجور والقدرة الشرائية. وهذا يعني أن الحكومة لا تواجه فقط تحدي تثبيت الوضع الأمني، بل أيضاً ضرورة احتواء موجة اجتماعية قد تتوسع إذا بقيت الفجوة بين الدخل وكلفة المعيشة على حالها.
في السياسة، سيكون ملف التفاوض مع إسرائيل حاضراً بقوة، خصوصاً بعدما أعلن وزير الخارجية يوسف رجّي أن إسرائيل وحزب الله لا يبدوان تعاوناً في تسهيل المسار الحالي. وفي الوقت نفسه، تؤكد الحكومة أن قرار التفاوض هو قرار لبناني رسمي، وأن الدولة هي الجهة التي تتولى هذا المسار. وهذه النقطة تضع الحكومة أمام استحقاق مزدوج، عليها أن تثبت للخارج قدرتها على التفاوض باسم لبنان، وفي الوقت نفسه أن تحافظ في الداخل على حد أدنى من التوافق حول الخيارات الكبرى المرتبطة بالجنوب والسلاح والسيادة.
وفي الخلفية، يبقى الاقتصاد حاضراً بقوة، لأن أي تصعيد جديد لا ينعكس على الأمن فقط. ارتفاع كلفة المحروقات يضغط على النقل والإنتاج والأسعار، فيما يضاف الوضع الأمني إلى سلسلة عوامل تضغط على المؤسسات والأسر والقطاعات الاقتصادية. وهذا ما يجعل الملف الاجتماعي مرتبطاً مباشرة بالملف السياسي والأمني، إذ إن استمرار التوتر يعني مزيداً من الضغوط على الاقتصاد، فيما تحتاج الحكومة في المقابل إلى مساحة من الاستقرار كي تتمكن من معالجة الملفات الداخلية المتراكمة.
وإذا كان الأسبوع الماضي قد حمل للحكومة حضوراً خارجياً مكثفاً، فإن هذا الأسبوع سيكون اختباراً لمدى قدرتها على تحويل هذا الحضور إلى نتائج عملية. فالكلام عن السيادة والتفاوض يحتاج إلى وقائع ميدانية، والدعم الدولي للجيش يحتاج إلى خطوات واضحة، والحديث عن حماية الاقتصاد يحتاج إلى إجراءات تخفف الضغط عن الناس، فيما يبقى أي تقدم سياسي مرتبطاً بمدى القدرة على خفض مستوى التصعيد جنوباً.
لهذا، يدخل لبنان الأيام المقبلة أمام مجموعة ملفات متشابكة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر. الجنوب يضغط على الدبلوماسية، الدبلوماسية ترتبط بدور الدولة والجيش، والوضع الأمني ينعكس مباشرة على الاقتصاد والشارع. وبين هذه الدوائر، ستكون قدرة الحكومة على إدارة التوازنات واختيار الأولويات هي العنوان الأبرز للمرحلة المقبلة.
المصدر : الملفات















