September 28, 2026

مفاوضات لبنان وإسرائيل أمام الاختبار الأصعب.. عندما يسبق الميدان طاولة التفاوض

في وقت كان يفترض أن تفتح الاتصالات السياسية نافذة على مسار يخفف التوتر على الحدود الجنوبية، يأتي المشهد الميداني في الجنوب ليطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً مفاده أنه كيف يمكن لمسار تفاوضي أن يتقدم فيما تستمر العمليات العسكرية ويتسع نطاق التصعيد؟ فبينما تتحرك الدبلوماسية اللبنانية في نيويورك وواشنطن بحثاً عن مخرج، يستمر الجنوب في تسجيل وقائع جديدة على الأرض، من الغارات والقصف المدفعي إلى التفجيرات والتحركات البرية، بما يجعل أي تقدم سياسي محكوماً أولاً بقدرة الأطراف على تثبيت حد أدنى من الهدوء الميداني.

خلال الساعات الأخيرة، شهد الجنوب سلسلة اعتداءات طالت مناطق في أقضية النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور، بالتزامن مع تحركات برية إسرائيلية، فيما أفادت تقارير باستخدام مروحية أباتشي في غارة على مركز تجاري بين شوكين وميفدون، في تطور وصفته الوكالة الوطنية للإعلام بأنه الأول من نوعه ضمن الاعتداءات اليومية الأخيرة.

وفي المقابل، تستمر المساعي اللبنانية لإبقاء الملف في الإطار السياسي، وسط تأكيد رسمي متكرر أن الدولة اللبنانية هي الجهة التي تفاوض باسم لبنان.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية، فلبنان يدخل التفاوض من موقع رسمي واضح، لكن الوقائع الميدانية لا تزال تتحرك في اتجاه مختلف. رئيس الحكومة نواف سلام شدد من منبر الأمم المتحدة على أن لا أحد يتحدث أو يفاوض باسم لبنان سوى الدولة اللبنانية، فيما أعلن وزير الخارجية يوسف رجّي أن الدولة اللبنانية تفاوض مباشرة عن نفسها، وأن إسرائيل وحزب الله لا يبدوان تعاوناً كافياً لتسهيل مسار المفاوضات الجارية.

هذا التباعد بين المسارين العسكري والدبلوماسي يجعل المرحلة الحالية أكثر تعقيداً من مجرد انتظار موعد جديد لجولة تفاوض. فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بما سيحمله المفاوض اللبناني إلى الطاولة، بل بما إذا كانت الظروف الميدانية والسياسية ستسمح أصلاً بتحويل الطروحات إلى خطوات قابلة للتنفيذ. إذ إن أي اتفاق يحتاج إلى بيئة أمنية تسمح بتطبيقه، وإلى آلية واضحة للتحقق من الالتزامات، وإلى قدرة فعلية على تثبيت ما يتم التوافق عليه على الأرض.

ومن هنا تكتسب مسألة دور الجيش اللبناني أهمية متزايدة في النقاش. فالمطالب اللبنانية التي حملها سلام إلى نيويورك شملت الانسحاب الإسرائيلي وتعزيز قدرات الجيش، بالتزامن مع البحث في مستقبل الوجود الدولي في الجنوب مع اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل نهاية العام. وبالتالي، فإن مستقبل التفاوض لا يرتبط فقط بالاتفاق على وقف التصعيد، بل أيضاً بالسؤال عن اليوم التالي: من يملأ الفراغ؟ ومن يراقب التنفيذ؟ وكيف تُمنع عودة المنطقة إلى الحلقة نفسها من التصعيد؟

المشهد أكثر تعقيداً لأن كل طرف يدخل المرحلة الحالية بحسابات مختلفة. لبنان يريد تثبيت مرجعية الدولة في التفاوض وحماية سيادته وإنهاء الاعتداءات والوجود الإسرائيلي، بينما يبقى ملف السلاح داخل الأراضي اللبنانية جزءاً أساسياً من النقاش السياسي والأمني. وفي المقابل، تربط إسرائيل أي ترتيبات مستقبلية بقدرتها على ضمان أمن حدودها، فيما لا يزال موقف حزب الله من مسار التفاوض ومن مسألة حصر السلاح موضع خلاف أساسي داخل المشهد اللبناني نفسه. وهذه الملفات لا تبدو قابلة للحسم من خلال لقاء واحد أو جولة تفاوض واحدة.

أما العامل الخارجي، فلا يقل أهمية عن العامل الداخلي. فسلام انتقل من نيويورك إلى واشنطن في سياق دبلوماسي يهدف إلى البحث في التصعيد ومسار التفاوض ومستقبل الوضع في الجنوب، فيما تحدثت مصادر عن ضرورة وجود جدول زمني واضح وآلية للتحقق من تنفيذ الالتزامات. وفي الوقت نفسه، أثار حديث رجّي عن لقاء الوفد الإيراني في نيويورك، وتأكيده أن القرار السياسي والأمني عاد إلى الحكومة اللبنانية، بعداً إضافياً للمواجهة الدبلوماسية حول الجهة التي تملك قرار الحرب والسلم في لبنان.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط “متى تبدأ الجولة المقبلة؟”، بل ماذا يمكن أن تحمل هذه الجولة في ظل استمرار التصعيد؟ وهل تستطيع الدبلوماسية أن تنتزع مساحة من الميدان، أم أن التطورات العسكرية ستبقى هي العامل الذي يحدد سقف التفاوض؟ فالجنوب يعيش حالياً بين مسارين متوازيين، مسار سياسي يحاول تثبيت الدولة كمرجعية وحيدة، ومسار ميداني لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة.

وفي هذه المرحلة، تبدو قدرة لبنان على الانتقال من إدارة الأزمة إلى تثبيت آلية للحل مرتبطة بثلاثة عناصر متلازمة: وقف التصعيد، تعزيز قدرة الدولة على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، والحصول على ضمانات دولية واضحة تمنع بقاء الاتفاق مجرد تفاهم سياسي هش. وما لم تلتقِ هذه العناصر على أرض الواقع، ستبقى طاولة التفاوض تدور في مساحة ضيقة، فيما يواصل الجنوب دفع كلفة الوقت الضائع بين الميدان والدبلوماسية.

المصدر : الملفات