August 28, 2026

لبنان أمام أيلول ساخن.. 4 سيناريوهات للجنوب بين التصعيد والمفاوضات

مع اقتراب شهر أيلول، يدخل لبنان مرحلة شديدة الحساسية، في ظل تداخل التصعيد الميداني في الجنوب مع مسار تفاوضي لا يزال يواجه عراقيل، فيما تتزايد التساؤلات حول ما إذا كان الشهر المقبل سيحمل معه تهدئة تفتح الباب أمام تسوية، أم تصعيدًا جديدًا قد يدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع.

المشهد اليوم يبدو واضحًا في تناقضه، ففي الجنوب، تستمر الاعتداءات الإسرائيلية على عدد من البلدات والمناطق، من الغارات والقصف المدفعي إلى عمليات التفجير والتحركات الميدانية، في وقت لم ينجح فيه المسار السياسي حتى الآن في تثبيت وقف دائم للاعتداءات أو تحقيق تقدم حاسم في الملفات العالقة.

وفي المقابل، تتمسك الدولة اللبنانية بخيار التفاوض، باعتباره الطريق الأقل كلفة لتثبيت الأمن وتحقيق أهداف لبنان في الجنوب. الرئيس جوزاف عون أكد اليوم أن المفاوضات ليست سهلة وسريعة، لكنها تبقى أفضل من الحرب، مشددًا على أن أهداف لبنان تتمثل في تحرير الأراضي، ونشر الجيش حتى الحدود، واستعادة الأسرى، وعودة الأهالي وإعادة الإعمار.

لكن العقدة الأساسية لا تزال قائمة. فواشنطن تربط وقف الاعتداءات الإسرائيلية بمسألة سلاح حزب الله، إذ قال السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى إن الولايات المتحدة لم تتوصل حتى الآن إلى اتفاق يضمن وقف الهجمات، معتبرًا أن عدم تسليم الحزب سلاحه يشكل جزءًا من أسباب الجمود الحالي، ومعلنًا في الوقت نفسه استعداد واشنطن للتفاوض مع الحزب إذا كان لديه ما يقدمه.

وهنا تصبح معادلة أيلول أكثر تعقيدًا، إذ إن لبنان يريد وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي ونشر الجيش على كامل الحدود، بينما تضع الولايات المتحدة ملف سلاح حزب الله في صلب أي تقدم، وإسرائيل تواصل عملياتها العسكرية في الجنوب. وبين هذه المطالب المتقاطعة، يبدو أن أي خطوة ميدانية أو سياسية خلال الأسابيع المقبلة قد تكون قادرة على تغيير مسار الأحداث.

وتبرز في هذا السياق مرتفعات علي الطاهر كواحدة من أكثر النقاط حساسية في المشهد الجنوبي، بعدما تحولت إلى عنوان بارز في التطورات الأخيرة، وسط حديث عن احتمالات تتراوح بين استمرار الوضع القائم وبين تغيرات ميدانية قد تحمل تداعيات أوسع. ويكتسب الموقع أهمية عسكرية بسبب موقعه الجغرافي وإشرافه على مناطق ومحاور في الجنوب، ما يجعل أي تطور فيه محط متابعة سياسية وعسكرية.

ولا يقتصر القلق على الجنوب وحده، إذ إن استمرار التصعيد يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار صعب في كيفية تثبيت الأمن ومنع توسع المواجهة، في وقت يسعى فيه الجيش اللبناني إلى تعزيز حضوره ودوره في الجنوب، بينما تبقى ترتيبات المرحلة المقبلة مرتبطة أيضًا بمستقبل وجود قوات اليونيفيل وطبيعة الدور الدولي في المنطقة.


وبالتالي، فإن الحديث عن “أيلول ساخن” لا يعني بالضرورة أن حربًا جديدة باتت حتمية، لكنه يعكس حجم الملفات التي ستتراكم مع بداية الشهر المقبل. فهناك مسار تفاوضي متعثر، وتصعيد إسرائيلي مستمر، وملف سلاح حزب الله، ومطلب لبناني بالانسحاب الإسرائيلي، ودور متزايد للجيش، إضافة إلى حسابات دولية وإقليمية تجعل أي حادث أمني قابلًا لأن يتحول إلى أزمة أكبر.
أما السيناريو الأول فيبقى نجاح الاتصالات في إعادة تحريك المفاوضات والوصول إلى خطوات تدريجية تخفف التصعيد وتفتح الطريق أمام ترتيبات أمنية في الجنوب. وفي المقابل، يبقى سيناريو التصعيد المحدود قائمًا، بحيث تستمر الضربات والعمليات العسكرية من دون الوصول إلى حرب شاملة. أما السيناريو الأكثر خطورة، فيتمثل في فشل المسار الدبلوماسي بالتزامن مع توسع العمليات ميدانيًا، بما قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع يصعب ضبطها.

وبين هذه الاحتمالات، تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه المشهد. فالمفاوضات لم تتوقف، لكن لا يوجد حتى الآن اختراق واضح، والتصعيد الميداني مستمر، فيما تزداد الضغوط على الأطراف لتقديم تنازلات. ولذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي: هل سيكون أيلول ساخنًا؟ بل: هل تنجح المفاوضات قبل أيلول في منع سخونة الجنوب من التحول إلى مواجهة أوسع؟
فلبنان يدخل الشهر المقبل على وقع معادلة دقيقة، بين هدنة تحتاج إلى تفاهم، وتفاهم يحتاج إلى تنازلات، وأي تأخير قد يترك الميدان مفتوحًا أمام احتمالات أكثر خطورة.

المصدر : الملفات