August 18, 2026

الجنوب على فوهة التصعيد.. هل تتجه إسرائيل والحزب إلى مواجهة مفتوحة؟

لم يعد التصعيد في جنوب لبنان مجرد سلسلة من الضربات المتفرقة التي يمكن فصلها عن السياق السياسي العام، بل بات يأخذ منحى أكثر خطورة مع اتساع نطاق العمليات العسكرية وارتفاع وتيرة الاستهدافات، في وقت تبدو فيه المنطقة أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات الميدانية مع المسارات السياسية والتفاوضية.

وخلال الأيام الماضية، شهد الجنوب تصعيداً لافتاً، سقط خلاله شهداء بينهم أطفال، في حصيلة وُصفت بأنها الأعلى منذ اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل في حزيران الماضي، فيما استمر الضغط العسكري الإسرائيلي في عدد من المناطق الجنوبية.

ويتركز جزء أساسي من المشهد الميداني حالياً في محيط تلة علي الطاهر، حيث تتحدث تقارير عن محاولة إسرائيلية لتعزيز السيطرة على المنطقة، بالتزامن مع استعدادات من جانب حزب الله لمنع تثبيت هذا الواقع الميداني.

لكن خطورة المرحلة لا تكمن في حجم القصف وحده، بل في السؤال الأوسع: هل نحن أمام جولة تصعيد محدودة، أم أمام مسار قد يتحول إلى مواجهة مفتوحة وطويلة؟
المؤشرات السياسية لا تبدو مطمئنة. فالتصعيد العسكري يأتي في وقت لا تزال فيه قنوات التفاوض قائمة، فيما تتزايد الضغوط الدولية على لبنان بشأن مستقبل السلاح والوجود العسكري لحزب الله جنوباً. وفي أحدث المواقف الأميركية، حمّل مسؤول أميركي الحزب مسؤولية استمرار الوجود الإسرائيلي في الجنوب، معتبراً أن مساراً يقوم على “المناطق التجريبية” هو الطريق القابل للتطبيق لتحقيق الأمن والسلام على المدى الطويل.

وهنا تبرز معادلة شديدة التعقيد بالنسبة إلى الدولة اللبنانية: كيف يمكن الحفاظ على المسار السياسي والتفاوضي في الوقت الذي يستمر فيه التصعيد على الأرض؟ فالجيش اللبناني والدولة أمام واقع بالغ الحساسية؛ إذ إن أي توسع في العمليات العسكرية يعني مزيداً من الضغط على القرى الحدودية والسكان، ومزيداً من النزوح والأضرار، فيما أي انزلاق إلى مواجهة أوسع قد يضع لبنان أمام أثمان اقتصادية وإنسانية وأمنية أكبر بكثير.
وفي المقابل، تبدو إسرائيل معنية بفرض معادلة أمنية جديدة على الحدود، فيما يعتبر حزب الله أن استمرار العمليات والضغط الإسرائيلي يتطلب مواجهة هذا الواقع ميدانياً. وبين الموقفين، تتحرك الدولة اللبنانية ضمن مساحة ضيقة، محاولةً إبقاء باب التفاوض مفتوحاً ومنع تحول التصعيد إلى حرب شاملة.

المشكلة أن أي حادث أمني كبير يمكن أن يغيّر قواعد اللعبة بسرعة. فالجبهة الجنوبية لا تعمل بمعزل عن التطورات الإقليمية، وأي تطور في المواجهة بين إسرائيل وإيران أو في المسار الأميركي ـ الإيراني يمكن أن ينعكس مباشرة على لبنان.

ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس فقط “هل ستتوقف الغارات؟”، بل ما هو شكل الجنوب الذي سيخرج من هذه المرحلة؟
هل تبقى المناطق الحدودية ساحة ضغط عسكري متواصل؟ هل يتم التوصل إلى تفاهم يوقف العمليات ويعيد تثبيت ترتيبات أمنية جديدة؟ وهل تستطيع الدولة اللبنانية استعادة زمام المبادرة في ملف الجنوب، أم أن الميدان سيبقى هو الذي يفرض شروط المرحلة المقبلة؟

يقف لبنان أمام مفترق حساس، إما تصعيد يمكن احتواؤه عبر التفاوض، أو مسار عسكري قد يتدحرج إلى مواجهة أوسع. وبين الخيارين، تبقى القرى الجنوبية والسكان المدنيون أول من يدفع الثمن، فيما تتزايد الحاجة إلى إجابات واضحة حول اليوم التالي: من يضمن الأمن؟ من يحمي الحدود؟ ومن يقرر قواعد الاشتباك؟

 

المصدر : الملفات