October 28, 2026

من الاستدراج مقابل المال إلى الاعتداءات الجنسية.. أطفال لبنان في دائرة الخطر

 

تثير الوقائع التي ظهرت أخيرًا في لبنان بشأن التحرّش بالأطفال واستغلالهم جنسيًا مخاوف متزايدة حول سلامتهم، بعدما أعادت قضية طفل في طرابلس تحدّث في مقطع مصوّر عن تعرّضه للتحرّش مقابل المال، إلى الواجهة أسئلة خطيرة عن أساليب استدراج الأطفال واستغلال هشاشتهم، في وقت تتكشّف فيه ملفات أخرى تضع حماية القاصرين أمام اختبار حقيقي.

وفي سياق متصل، برزت قضية توقيف سبع فتيات في منطقتَي دوحة الحص والمعاملتين، بينهنّ فتاة سورية قاصر، في ملف مرتبط باستقطاب زبائن بغرض ممارسة الدعارة. وتسلّط هذه القضية الضوء على المخاطر التي قد تواجه القاصرات في مثل هذه الظروف، وعلى ضرورة التحقّق من احتمال تعرّضهنّ للاستغلال أو الإكراه، بعيدًا عن أي أحكام مسبقة أو تحميل للضحايا مسؤولية ما يتعرّضن له.

ولا تقف خطورة هذه الوقائع عند حدود الاعتداء نفسه، بل تمتدّ إلى الظروف التي قد تجعل الأطفال والفتيات أكثر عرضة للاستغلال، سواء بفعل الحاجة المادية أو التفكّك الأسري أو غياب الحماية الكافية، فضلًا عن الأذى النفسي الذي قد يرافق هذه التجارب ويترك آثارًا طويلة الأمد.

عندما يتحوّل المال إلى وسيلة للاستدراج

إن الحديث عن التحرّش أو الاستغلال مقابل المال يسلّط الضوء على أساليب خطيرة قد يلجأ إليها المعتدون لاستدراج الأطفال، مستفيدين من حاجاتهم أو صغر سنّهم وعدم قدرتهم على إدراك طبيعة ما يتعرّضون له. فحصول الطفل على المال لا يعني موافقته على الاعتداء، ولا يحمّله أي مسؤولية، بل تقع المسؤولية على المعتدي الذي يستغلّ ضعفه أو يتلاعب بثقته.

وقد لا يقتصر الاستغلال على الاعتداء المباشر، بل يشمل التهديد أو التصوير أو الابتزاز، أو تكرار الاستدراج لإبقاء الطفل تحت السيطرة وإجباره على الصمت.

قاصر بين فتيات على الطرقات.. أين الحماية؟

أما وجود فتاة قاصر ضمن قضية مرتبطة بالدعارة، فيطرح تساؤلات تتجاوز تفاصيل التوقيف، وتطال الظروف التي دفعت بها إلى هذا الواقع، وما إذا كانت قد تعرّضت للاستغلال أو الإكراه، ومن يقف وراء استقطاب الفتيات في مثل هذه الحالات.

فالطفلة القاصر تحتاج إلى الحماية والتقييم الاجتماعي والنفسي والقانوني، لا إلى الوصم أو التعامل معها باعتبارها مسؤولة عن استغلال قد تكون تعرّضت له. كما أن كشف حقيقة ما جرى يتطلّب تحقيقًا دقيقًا يحدّد طبيعة دور كل شخص، ويكشف إن كانت هناك شبكات تستفيد من حاجة الفتيات أو هشاشتهنّ.

وفي هذا الإطار، لا يجوز افتراض أن جميع الحالات متشابهة، لكن وجود قاصر في مثل هذه القضية يكفي لطرح سؤال أساسي عن آليات اكتشاف الأطفال المعرّضين للخطر والتدخّل لحمايتهم قبل تفاقم الأذى.

الفيديوهات الصادمة.. هل تحمي الأطفال أم تزيد معاناتهم؟

في موازاة ذلك، يثير انتشار الفيديوهات والتقارير عن هذه القضايا على مواقع التواصل الاجتماعي إشكالية إضافية. فالتوعية ضرورية، لكن إعادة نشر شهادات الأطفال أو تداول صورهم وتفاصيلهم الشخصية قد تعرّضهم لأذى إضافي، وتحوّل تجاربهم المؤلمة إلى مادة للاستهلاك الرقمي.

وتفرض هذه الوقائع على وسائل الإعلام والمستخدمين مسؤولية التعامل بحذر مع المحتوى المتعلّق بالقاصرين، من خلال حماية هوياتهم، وعدم نشر أي تفاصيل قد تؤدي إلى التعرّف إليهم، والتركيز على الوقائع المؤكدة والمسؤوليات القانونية والاجتماعية بدلًا من التفاصيل الصادمة.

من المسؤول عن حماية الأطفال والفتيات؟

تبدأ الوقاية من الأسرة، عبر توفير بيئة آمنة تسمح للأطفال بالتعبير عمّا يتعرّضون له من دون خوف أو لوم، وتمتدّ إلى المدارس والمؤسسات الاجتماعية التي يفترض أن تسهم في اكتشاف مؤشرات الخطر والتعامل معها بمسؤولية.

أما الدولة، فتقع عليها مسؤولية التحقيق في الشكاوى، وملاحقة المعتدين والمتورّطين في الاستغلال والاتجار بالأشخاص، وتأمين الحماية والدعم النفسي والاجتماعي والقانوني للضحايا.
ولا بدّ كذلك من معالجة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي قد تزيد هشاشة بعض الأطفال والفتيات، من دون اعتبار الفقر مبرّرًا للاعتداء أو اختزال أسباب الاستغلال فيه وحده.

إن خطورة هذه القضايا لا تكمن فقط في تفاصيل كل واقعة، بل في احتمال أن تبقى حماية الأطفال رهينة انتشار فيديو أو تحرّك الرأي العام، بدلًا من وجود آليات وقاية وإبلاغ ومتابعة تعمل قبل وقوع الضرر.

فكل طفل يحتاج إلى الحماية قبل أن يصبح قصته خبرًا، وكل قاصر قد تكون معرّضة للاستغلال تحتاج إلى المساعدة لا إلى الوصم.

المصدر : الملفات