من الظل إلى العلن.. اغتيال لاريجاني يشعل أخطر مراحل الصراع الإيراني – الإسرائيلي
في تصعيد خطير يعكس تحوّلًا نوعيًا في مسار المواجهة بين إسرائيل وإيران، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تنفيذ ضربة جوية استهدفت العاصمة طهران ليل الإثنين – الثلاثاء، مؤكدًا مقتل أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني. وبعد ساعات من الغموض والتضارب، خرجت طهران لتؤكد رسميًا النبأ، معلنة “استشهاد” لاريجاني في الهجوم.
وأوضح المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في بيان رسمي، أن الضربة أسفرت أيضًا عن مقتل نجل لاريجاني وعدد من حراسه الشخصيين، في استهداف مباشر يُعدّ من أخطر العمليات التي تطال رأس المؤسسة الأمنية في الجمهورية الإسلامية.
ويُنظر إلى اغتيال لاريجاني باعتباره ضربة عميقة في بنية النظام الإيراني، نظرًا لمكانته السياسية والأمنية الرفيعة، وعلاقته الوثيقة بالمرشد الأعلى علي خامنئي، حيث كان يُعدّ أحد أبرز الشخصيات الموثوقة لديه، والمكلّفة بمتابعة ملفات استراتيجية، من بينها إدارة المرحلة الانتقالية داخل النظام في ظل التطورات الأخيرة.
وبهذا، يُعدّ لاريجاني من أرفع المسؤولين الإيرانيين الذين يُقتلون في سياق المواجهة الحالية، في مؤشر على انتقال العمليات إلى مستوى استهداف القيادات العليا بشكل مباشر.
وينتمي لاريجاني إلى واحدة من أبرز العائلات الدينية والسياسية في إيران، وقد شغل خلال مسيرته سلسلة من المناصب الحساسة، أبرزها رئاسة مجلس الشورى الإيراني بين عامي 2008 و2020، إلى جانب توليه منصب كبير المفاوضين النوويين بين عامي 2005 و2007، حيث دافع عن ما تصفه طهران بحقها في تخصيب اليورانيوم، وبرز كأحد الوجوه الأساسية في إدارة الملف النووي.
كما اضطلع بدور محوري في مسار المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015 بين إيران والقوى العالمية، قبل أن ينسحب منه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عام 2018، ما أعاد التوتر إلى الواجهة الدولية.
وعلى الصعيد الداخلي، عُرف لاريجاني بقربه من دوائر صنع القرار، وارتباطه بمختلف مؤسسات النظام، بما فيها الحرس الثوري الإيراني، حيث كان عضوًا سابقًا فيه، كما تولّى مؤخرًا منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في أغسطس الماضي، في خطوة عكست إعادة تموضعه داخل قلب المؤسسة الأمنية.
ورغم ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2005، لم يتمكن من الفوز، كما مُنع لاحقًا من خوض الانتخابات في عامي 2021 و2024 بقرار من مجلس صيانة الدستور، الذي أشار إلى أسباب تتعلق بـ”معايير نمط الحياة” و”روابط أسرية خارج البلاد”.
وفي سياق تحركاته الأخيرة، كان لاريجاني قد شارك في مسيرات يوم القدس في طهران قبل أيام من مقتله، كما زار سلطنة عُمان الشهر الماضي في إطار جهود الوساطة المتعلقة بالملف النووي، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تعزز وجودها العسكري في المنطقة للضغط على إيران.
ويأتي اغتياله أيضًا بعد اتهامات أميركية له، إذ أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في 15 يناير الماضي فرض عقوبات عليه، معتبرةً أنه من أوائل المسؤولين الذين دعوا إلى استخدام العنف لقمع الاحتجاجات الداخلية، وأنه تصرف بناءً على توجيهات من السيد علي خامنئي.
في المقابل، كان لاريجاني قد أبدى في مواقف سابقة تفهمًا للاحتجاجات المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية، إلا أنه شدد على رفضه لما وصفه بـ”الأعمال المسلحة”، معتبرًا أنها مدفوعة بتحريض خارجي، ومتهمًا إسرائيل بالوقوف خلفها.
بالتوازي مع ذلك، أقرت إيران بمقتل قائد جهاز “الباسيج”، في تطور يعزز فرضية تعرض البنية الأمنية الإيرانية لضربات متتالية.
أما على الجانب الإسرائيلي، فقد حملت التصريحات الرسمية نبرة تصعيدية واضحة، إذ تعهدت تل أبيب بمواصلة استهداف قيادات إيرانية أخرى، مشيرة إلى أسماء بارزة، من بينها مجتبى خامنئي، في مؤشر إلى احتمال اتساع رقعة المواجهة.
في المحصلة، لا يُنظر إلى اغتيال لاريجاني كعملية عسكرية محدودة فحسب، بل كتحول استراتيجي في قواعد الاشتباك، يعكس انتقال الصراع إلى مرحلة استهداف مباشر لمفاصل القرار داخل إيران، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات تصعيدية واسعة، في ظل توقعات برد إيراني قد يعيد رسم ملامح المواجهة في المنطقة.
المصدر : الملفات















