السجون والسياسة تحت قبة البرلمان.. “العفو العام” يفتح أخطر ملفات لبنان

يعود قانون العفو العام إلى واجهة النقاش السياسي في لبنان، لكن هذه المرة في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتقاطع الاعتبارات الإنسانية مع الحسابات السياسية والأمنية داخل المجلس النيابي اللبناني، الذي يشهد في هذه الأيام نقاشات مكثّفة لمحاولة الوصول إلى صيغة نهائية لهذا القانون الشائك. فالمسألة لم تعد مجرّد معالجة تقنية لملف قضائي أو إنساني، بل تحوّلت إلى اختبار فعلي لطبيعة التوازنات السياسية في البلاد، ولمدى قدرة القوى المختلفة على التوفيق بين منطق العدالة ومتطلبات التسوية.

من حيث الشكل، يُطرح قانون العفو العام كحل لأزمة متفاقمة داخل السجون اللبنانية، حيث الاكتظاظ بلغ مستويات غير مسبوقة، مع وجود آلاف الموقوفين الذين لم تصدر بحقهم أحكام نهائية منذ سنوات، ما دفع أطرافًا سياسية عدة إلى الدفع باتجاه إقرار العفو باعتباره مدخلًا لتخفيف الضغط الإنساني والقضائي. غير أن هذا الطرح، الذي يبدو في ظاهره إنسانيًا، سرعان ما يصطدم بتعقيدات عميقة تتصل بطبيعة الجرائم المشمولة بالعفو، وبالرسائل السياسية التي قد يحملها القانون في حال إقراره.

النقاش داخل اللجان النيابية لم يكن تقنيًا بقدر ما كان سياسيًا بامتياز، إذ برز منذ البداية انقسام واضح بين اتجاهين: الأول يدعو إلى عفو عام واسع مع استثناءات محددة، والثاني يفضّل مقاربة أكثر تضييقًا تقتصر على جرائم معينة، خوفًا من أن يتحوّل العفو إلى غطاء لتبييض ملفات خطيرة. ومع تقدّم المداولات، بدا أن الاتجاه الغالب يميل إلى الصيغة الأولى، أي عفو عام مشروط، لكن مع استمرار الخلاف الحاد حول طبيعة الاستثناءات وحدودها.

في صلب هذا الخلاف، تبرز قائمة الجرائم التي يُفترض استثناؤها من العفو، والتي تشكّل العقدة الأساسية أمام إقرار القانون. فهناك شبه إجماع على استبعاد الجرائم التي تمسّ مباشرة بأمن الدولة، كقتل العسكريين أو الاعتداء على القوى الأمنية، إضافة إلى جرائم الإرهاب والملفات المحالة إلى المجلس العدلي، فضلًا عن جرائم اختلاس المال العام. إلا أن التباين يظهر بوضوح عند الانتقال إلى ملفات أخرى أكثر حساسية، مثل قضايا المخدرات، حيث يدور جدل حول التمييز بين المتعاطين والتجار، وكذلك ملف الموقوفين الإسلاميين، الذي يثير انقسامًا سياسيًا وطائفيًا واضحًا، إلى جانب قضايا التعامل مع إسرائيل أو المرتبطة بالحرب السورية، وهي ملفات تحمل في طياتها أبعادًا تتجاوز القانون إلى السياسة والهوية.

وفي موازاة النقاش القانوني، تتعدّد المشاريع والاقتراحات المطروحة، والتي تتقاطع في خطوط عامة لكنها تختلف في التفاصيل. بعض هذه المشاريع يدفع باتجاه شمول المحكومين غيابيًا بالعفو، في محاولة لمعالجة ملفات عالقة منذ سنوات، فيما يذهب بعضها الآخر إلى أبعد من ذلك عبر إدخال تعديلات تتعلّق بملف المبعدين إلى إسرائيل، بحيث تتم معالجته مباشرة ضمن نص القانون من دون الحاجة إلى مراسيم تطبيقية لاحقة، وهو ما يعكس رغبة في حسم ملفات سياسية قديمة تحت مظلة العفو.

أما على مستوى المواقف السياسية، فيظهر المشهد النيابي منقسمًا بوضوح. فكتل مثل “التنمية والتحرير” و“الوفاء للمقاومة” و“اللقاء الديمقراطي” و“الاعتدال” تميل إلى دعم إقرار القانون، مستندة إلى البعد الإنساني وضرورة معالجة أوضاع السجون، إضافة إلى ما تعتبره إنصافًا لفئات تعتبر نفسها متضرّرة من بطء العدالة. في المقابل، تبدي كتل أخرى، أبرزها “لبنان القوي” و“الجمهورية القوية”، تحفظات جدية، وتشدّد على ضرورة توسيع لائحة الاستثناءات، محذّرة من أن يؤدي العفو بصيغته الواسعة إلى ضرب هيبة الدولة وإضعاف الردع القانوني، خصوصًا في ما يتعلق بجرائم خطيرة كالمخدرات أو الاعتداء على الأمن.

وتعكس التصريحات الصادرة عن النواب حجم هذا التباين، إذ يؤكد فريق أن العفو يجب أن يكون وسيلة لرفع الظلم عن موقوفين لم ينالوا حقهم في محاكمة عادلة، بينما يرى فريق آخر أن أي تهاون في هذا الملف قد يفتح الباب أمام تهديد الاستقرار الأمني، ويحوّل القانون إلى رسالة سلبية مفادها أن الجرائم يمكن أن تُمحى بتسوية سياسية. وبين هذين الموقفين، يبرز رأي ثالث يحاول التوفيق بين الطرفين عبر صيغة “العفو المشروط”، التي توازن بين الإفراج عن بعض الفئات والحفاظ على سقف واضح للاستثناءات.
غير أن القراءة الأعمق لما يجري تشير إلى أن قانون العفو العام يتجاوز في جوهره البعد القانوني، ليشكّل جزءًا من تسوية سياسية أوسع غير معلنة. فالكثير من المؤشرات يوحي بأن النقاش لا يدور فقط حول مبادئ العدالة، بل أيضًا حول مقايضات محتملة بين ملفات مختلفة، تشمل موقوفين إسلاميين، وفارّين، ومتهمين بملفات أمنية أو سياسية، في محاولة لإرضاء قواعد شعبية متباينة ضمن معادلة داخلية معقّدة. وهذا ما يفسّر مستوى “المرونة” الذي يظهر أحيانًا في مواقف بعض القوى، مقابل تشدد مفاجئ في محطات أخرى.

وفي حال إقرار القانون، فإن تداعياته لن تكون محدودة بالإطار القضائي، إذ يُتوقع أن يؤدي إلى الإفراج عن عدد كبير من السجناء، ما يخفف الضغط عن السجون بشكل فوري، لكنه في المقابل قد يفتح الباب أمام نقاشات جديدة حول الأمن والعدالة وحقوق الضحايا، فضلًا عن إعادة طرح مسألة استقلالية القضاء وقدرته على معالجة الملفات بعيدًا عن التدخلات السياسية.

يقف لبنان أمام مفترق دقيق، حيث يتحوّل قانون العفو العام إلى مرآة تعكس الصراع الدائم بين منطق الدولة ومنطق التسويات. فإما أن يُصار إلى إنتاج صيغة متوازنة تلبّي الحد الأدنى من العدالة والاعتبارات الإنسانية، أو أن يتحوّل القانون إلى محطة جديدة في مسار طويل من المقايضات السياسية التي غالبًا ما تأتي على حساب ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم. وبين هذين الخيارين، يبقى القرار النهائي رهناً بالتوافقات التي ستُحسم تحت قبة البرلمان، حيث لا يُقاس القانون فقط بنصوصه، بل أيضًا بالرسائل التي يحملها في بلد لا تزال فيه العدالة مسألة خلافية بامتياز.

المصدر : الملفات