هل يعود شبح تنظيم “داعش” إلى لبنان؟
لم يكن خبر توقيف عناصر من عناصر تنظيم “داعش” في لبنان مجرّد حادث أمني معزول، بل تحوّل سريعاً إلى مؤشر خطير أعاد إلى الأذهان شبح سنوات الدم والتفجيرات، حين كانت الرايات السوداء تنتشر في بعض المناطق اللبنانية، وتطل الخلايا الإرهابية من خلف الحدود أو من قلب الأحياء المهمّشة.
بعد يومين على هجوم انتحاري على كنيسة في سوريا أوقع 25 ضحية، تم توقيف زعيم تنظيم “داعش” في لبنان ر.ف الملقب بقسورة، وتم ضبط “كمية كبيرة من الأسلحة والذخائر الحربية، بالإضافة إلى أجهزة إلكترونية ومعدات لتصنيع الطائرات المسيّرة” كانت بحوزة الرجل الذي تُشير مصادر أمنية إلى أنه تسلم قيادة تنظيم داعش في لبنان منذ مطلع العام الجاري، بعد توقيف المسؤول السابق م.خ الذي كان بمثابة “والي داعش” في لبنان.
لم تنته التوقيفات هنا، فبعد ساعات فقط أوقفت دوريّة تابعة للمديرية العامة لأمن الدولة في لبنان، شخصاً من الجنسية السورية في منطقة كسروان في ، لارتباطه بتنظيم “داعش”، واللافت كان دخوله إلى لبنان خلسة منذ يومين قبل توقيفه، فهل هناك ما يستدعي القلق؟
يأتي الإعلان اللافت في هذه التوقيفات، بحسب المصادر الأمنية، ليس فقط عدد الأشخاص، بل طبيعة المهمات التي كانوا يحضّرون لها، والتي تتخطى مجرّد النشاط الفردي أو الدعائي لتصل ربما إلى مرحلة التخطيط لهجمات إرهابية داخل الأراضي اللبنانية.
خلايا نائمة في مرحلة “الإنتظار”؟
تؤكد المصادر الأمنية أن جزءاً من هؤلاء الموقوفين ينتمي إلى ما يُعرف بـ”الخلايا النائمة”، وهي مجموعات تحتفظ بولائها الأيديولوجي والتنظيمي لـ”داعش”، لكنها تتحرّك فقط عند تلقيها أوامر واضحة، سواء بتنفيذ عمليات أمنية أو بالتجنيد والتنسيق، مشيرة عبر “الملفات” إلى أن هذه المجموعات موجودة في لبنان منذ سنوات، وسبق للأجهزة الأمنية أن فكّكت عشرات الشبكات المشابهة، خصوصاً بعد انتهاء معركة جرود عرسال والقضاء على الوجود العسكري العلني للتنظيم على الحدود الشرقية.
لكن اليوم، تبدو الأمور أكثر تعقيداً، فعودة خطر “داعش” لا تنفصل عن المشهد الإقليمي المشتعل، وخصوصاً في سوريا. التفجير الإرهابي الذي استهدف الكنيسة منذ أيام، وتبنّاه التنظيم، أعاد رسم خارطة انتشار “داعش” في المنطقة، وكشف أن التنظيم لا يزال يمتلك القدرة على التحرك وتنفيذ هجمات نوعية، رغم الحديث المتكرر عن انحسار قوته، وتعتبر المصادر أن الخلايا النائمة التي قد تتحرك ستُرفد بعناصر من خارج لبنان، وهذا ما يستدعي رفع الجهوزية إلى درجة إعلان حالة الطوارىء الأمنية.
الأمن اللبناني في سباق مع الوقت
تشير المصادر الأمنية إلى أن الأجهزة المختصة، دخلت في سباق مفتوح مع الزمن، لمنع تسلل أي موجة جديدة من الإرهاب إلى الداخل اللبناني، لا سيما في ظل هشاشة الوضع الأمني والاجتماعي، وانتشار الفوضى الاقتصادية، وكلها بيئة خصبة تحاول التنظيمات الإرهابية استغلالها.
عملياً، التحرك الأمني الأخير ليس وليد اللحظة، بل يأتي ضمن استراتيجية طويلة الأمد تعتمدها المؤسسات الأمنية اللبنانية، تشمل الرصد، والمتابعة الإلكترونية، وتفكيك الشبكات، بالتوازي مع التعاون الاستخباراتي الدولي، خاصة مع الأجهزة الأوروبية والأميركية التي تضع خطر “داعش” العابر للحدود تحت المراقبة الدقيقة.
صعوبة المعركة وخطورة الاستغلال
رغم كل هذا، يقرّ الأمنيون بأن المعركة مع “داعش” في هذه المرحلة أكثر صعوبة من السابق. فالتنظيم بات يعتمد على ما يُعرف بـ”الذئاب المنفردة”، أي الأفراد الذين ينفّذون عمليات دون ارتباط تنظيمي مباشر، مما يجعل كشفهم أو إحباط تحرّكاتهم أكثر تعقيداً. كذلك، ثمة خشية جدّية من استغلال التنظيم للانقسامات الداخلية، وحتى التحريض الطائفي والمذهبي، لإعادة إحياء نشاطه في المناطق الرخوة.
ورغم هذه المؤشرات المقلقة، تُجمِع المصادر الأمنية على نقطة أساسية: عودة الخطر لا تعني حتمية عودة الحرب أو التفجيرات المتنقلة، لكنها تفرض رفع مستوى الجهوزية، وتكثيف التعاون الأمني، وعدم الاسترخاء أمام أي معلومة أو تحرّك مشبوه، فلبنان، الذي دفع ثمناً باهظاً في معركة الإرهاب قبل سنوات، لا يحتمل اليوم فتح جبهة جديدة.
المصدر : خاص موقع “الملفات” – الكاتب والمحلل السياسي محمد علوش















