هل يتحوّل الدعم الدولي للجيش اللبناني إلى ورقة ضغط سياسية؟
يتقدّم دعم الجيش اللبناني إلى واجهة الاهتمام الدولي في مرحلة تتشابك فيها التحديات الأمنية مع الاستحقاقات السياسية، من حصر السلاح بيد الدولة إلى ضبط الحدود، وصولاً إلى الاستعداد للمرحلة التي تلي انتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان. لكن خلف المساعدات والتدريبات والتجهيزات، يبرز سؤال أساسي: هل يبقى الدعم الدولي أداة لتعزيز قدرات المؤسسة العسكرية، أم يتحوّل تدريجياً إلى وسيلة ضغط لدفع الدولة نحو تنفيذ التزامات سياسية وأمنية محددة؟
وجاء قرار الاتحاد الأوروبي في 12 تشرين الأول إنشاء مهمة دعم جديدة للبنان ليمنح هذا الملف بعداً إضافياً. فالمهمة، التي يمتد تفويضها الأولي لثلاث سنوات، تستهدف تقديم المشورة والتدريب للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، مع التركيز على أمن الحدود والبحر وتعزيز السيطرة على الأراضي، إلى جانب تطوير قدرات قوى الأمن في مكافحة الجرائم الإلكترونية والتهريب. ويأتي ذلك في وقت يستعد فيه لبنان لمرحلة حساسة مع انتهاء ولاية اليونيفيل وبدء انسحابها التدريجي.
ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن المسار السياسي الذي يدفع باتجاه تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بيد مؤسساتها الرسمية. فقد أعلنت بيروت، على لسان وزير الخارجية يوسف رجي، تمسّكها بقرار وضع السلاح واستخدام القوة حصراً في يد الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، فيما ربطت التصريحات الأوروبية تعزيز قدرات المؤسسات الأمنية بأهمية الاستقرار وبسط سلطة الدولة. وهذا التلاقي يمنح الدعم الدولي بعداً يتجاوز تلبية الاحتياجات العسكرية المباشرة، ليصبح جزءاً من مقاربة أوسع لمستقبل الأمن اللبناني.
لكن الربط بين المساعدة العسكرية والنتائج السياسية ليس أمراً محسوماً في كل تفاصيله.
فإعلان الاتحاد الأوروبي عن مهمة تدريب ومشورة لا يعني، بحد ذاته، أن التمويل سيتوقف تلقائياً إذا لم يتحقق تقدم في ملف حصر السلاح. إلا أن طبيعة الأولويات الدولية، وتركيز الجهات المانحة على توسيع قدرة الدولة على ضبط الحدود والأراضي، يفتحان الباب أمام احتمال استخدام حجم المساعدات ونوعها وسرعة تقديمها أدوات للتأثير في مسار القرارات اللبنانية، إذا اختارت الدول المانحة اعتماد مقاربة تربط الدعم بنتائج ملموسة.
وتتضح حساسية هذا الاحتمال عند النظر إلى حجم المهمات المطلوبة من الجيش. فالمؤسسة العسكرية مطالبة بتعزيز انتشارها، وضبط الحدود، ومواجهة التهريب، وتنفيذ القرارات الحكومية، فيما تحتاج إلى تجهيزات وتمويل وتدريب مستمر لتتمكن من أداء هذه المهمات. وأي تراجع في الدعم الخارجي قد ينعكس على قدرتها التشغيلية، خصوصاً في ظل محدودية الموارد المالية للدولة. وفي المقابل، فإن استمرار المساعدات من دون إطار واضح للأهداف والنتائج قد يترك علامات استفهام حول مدى قدرة هذه البرامج على تحقيق التغيير المطلوب ميدانياً.
من هنا، لا تكمن المسألة في الاختيار بين قبول الدعم الدولي أو رفضه، بل في كيفية إدارته بما يحفظ القرار اللبناني ويعزز قدرات المؤسسات الرسمية. فلبنان يحتاج إلى المساعدات العسكرية والتقنية، لكنه يحتاج أيضاً إلى تحديد أولوياته الوطنية، ووضع خطط واضحة لاستخدام الموارد، وضمان أن تكون أي التزامات أمنية نابعة من قرارات الدولة ومؤسساتها الدستورية، لا نتيجة ضغوط خارجية منفردة.
كما أن المرحلة المقبلة تفرض توضيح العلاقة بين الدعم الدولي والمهام التي سيتولاها الجيش بعد انتهاء مهمة اليونيفيل. فتعزيز الانتشار على الحدود وفي الجنوب يتطلب إمكانات بشرية ولوجستية مستدامة، ولا يمكن اختزال الاستعداد لهذه المرحلة بإرسال خبراء أو تنظيم دورات تدريبية. المطلوب هو مقاربة متكاملة تضمن استمرارية التمويل والتجهيز والتنسيق، وتحدد المسؤوليات وآليات التقييم، من دون تحميل المؤسسة العسكرية مهمات تفوق قدراتها المتاحة.
في المحصلة، قد يتحوّل الدعم الدولي إلى ورقة ضغط إذا قررت الدول المانحة ربطه بمدى التقدم في الملفات الأمنية والسياسية، لكن هذا الاحتمال لا ينبغي التعامل معه كقرار محسوم أو شرط معلن بصورة شاملة. والتحدي أمام الدولة اللبنانية هو الاستفادة من الدعم لتعزيز سيادتها وقدرات جيشها، مع الحفاظ على استقلالية قرارها، لأن المساعدات تكون أكثر فاعلية عندما تتحول إلى شراكة واضحة الأهداف، لا إلى بديل عن القرار الوطني أو وسيلة لفرض مسارات سياسية من الخارج.
المصدر : الملفات















