June 8, 2026

من المريجة إلى تل أبيب.. كيف فجّرت غارة الضاحية أخطر مواجهة إيرانية – إسرائيلية منذ أشهر؟

لم تكن الغارة الإسرائيلية التي استهدفت منطقة المريجة – تحويطة الغدير في الضاحية الجنوبية لبيروت حدثاً أمنياً لبنانياً عادياً، بل شكّلت نقطة تحوّل إقليمية دفعت المنطقة خلال ساعات إلى حافة مواجهة مفتوحة بين إيران وإسرائيل، وأعادت خلط الأوراق في لحظة كانت واشنطن تتحدث فيها عن اقتراب اتفاق مع طهران وعن ضرورة تثبيت الهدوء في لبنان. فالغارة التي جاءت بعد تهديدات إسرائيلية متصاعدة وردود فعل أميركية متحفظة، تحولت سريعاً إلى شرارة مواجهة مباشرة بالصواريخ بين إيران وإسرائيل، وسط مخاوف من انهيار كل المسارات السياسية والأمنية التي عملت واشنطن خلال الأسابيع الماضية على ترسيخها

بدأ التصعيد عندما شنّ الطيران الإسرائيلي غارة على منطقة المريجة في الضاحية الجنوبية لبيروت مستهدفاً شقتين سكنيتين في محيط تحويطة الغدير، ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى. وأعلنت إسرائيل رسمياً أن العملية جاءت رداً على إطلاق صواريخ باتجاه المستوطنات، فيما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس إن الضربة استهدفت بنية ومقراً تابعاً لحزب الله، مؤكدين أن إسرائيل لن تسمح باستمرار إطلاق النار على مستوطناتها ومواقعها الحدودية.

لكن اللافت أن تقارير إسرائيلية لاحقة كشفت أن الهدف لم يكن اغتيال شخصية قيادية بارزة، بل توجيه رسالة ردع سياسية وأمنية. وإذاعة الجيش الإسرائيلي تحدثت عن أن الضربة نُفذت أساساً لإظهار الجهوزية الإسرائيلية وإعادة تثبيت معادلة الردع، فيما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصادر أمنية أن أهمية الموقع المستهدف كانت أكبر من أهمية الأشخاص الموجودين داخله.

الرد الإيراني لم يتأخر كثيراً. ففي الساعات التي أعقبت الغارة، صدرت سلسلة مواقف إيرانية غير مسبوقة ربطت مباشرة بين استهداف الضاحية الجنوبية وبين الرد العسكري المنتظر. متحدثون إيرانيون ومسؤولون في مؤسسات الأمن القومي أعلنوا أن إسرائيل تجاوزت “كل الخطوط الحمر” باستهدافها بيروت، فيما دعا مسؤولون إيرانيون إلى ترقب ما سيحدث خلال الليل. كما شددت قيادة القوات المسلحة الإيرانية على أن استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان سيؤدي إلى ردود أكثر إيلاماً وتدميراً.

وبالفعل، أعلنت إسرائيل مساء الأحد رصد إطلاق صواريخ باليستية إيرانية باتجاه أراضيها للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار الذي كان قائماً بين الطرفين. وأكد الجيش الإسرائيلي أن الدفاعات الجوية تعاملت مع الهجوم، بينما تحدثت مصادر عسكرية إسرائيلية عن إطلاق نحو ثلاثين صاروخاً خلال موجات متتالية.

أما إيران فتعمدت إعطاء العملية بعداً سياسياً يتجاوز مجرد الرد العسكري. فالحرس الثوري أعلن لاحقاً استهداف منشآت صناعية ومواقع مرتبطة بقطاع الطاقة في إسرائيل رداً على هجمات إسرائيلية مماثلة داخل إيران، محذراً من أن استهداف البنية التحتية للطاقة قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع في المنطقة.

إسرائيل من جهتها توعدت برد قاسٍ، واعتبرت أن إطلاق الصواريخ الإيرانية يشكل خرقاً جديداً لقواعد الاشتباك. وأشارت تقارير إسرائيلية إلى رفع مستوى التأهب العسكري في مختلف الجبهات، فيما استمرت عمليات القصف في جنوب لبنان مع توجيه إنذارات لسكان مناطق عدة في صور ومحيطها، بالتوازي مع حديث إسرائيلي عن توسيع العمليات ضد بنى حزب الله في الجنوب اللبناني.

وفي خضم هذا التصعيد، برز الموقف الأميركي باعتباره العامل الأكثر تأثيراً. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب أبدى انزعاجاً واضحاً من الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية، وأكد أنه لم يكن سعيداً باستهداف بيروت في وقت تتحدث فيه الإدارة الأميركية عن اقتراب التوصل إلى تفاهمات مع إيران. كما نقلت وسائل إعلام أميركية عنه قوله إنه سيطلب من نتنياهو عدم الرد على إيران، محذراً من أن أي تصعيد إضافي قد ينسف فرص الاتفاق الجاري العمل عليه. وذهب ترامب أبعد من ذلك عندما دعا الطرفين إلى وقف إطلاق النار فوراً، مؤكداً أن الولايات المتحدة لا تريد الانجرار إلى مواجهة جديدة في المنطقة.

سياسياً، لا يبدو أن اختيار إيران الرد الآن كان صدفة. فطهران تدرك أن استهداف الضاحية الجنوبية يحمل رمزية خاصة تتجاوز البعد العسكري، باعتبارها المركز السياسي والشعبي الأبرز لحزب الله. ومن خلال الرد المباشر، أرادت إيران تثبيت معادلة مفادها أن استهداف بيروت لن يبقى شأناً لبنانياً داخلياً أو مواجهة بين إسرائيل وحزب الله فقط، بل قد يستدعي تدخلاً إيرانياً مباشراً.

وفي المقابل، كانت إسرائيل تسعى من خلال الضربة إلى إثبات أنها ما زالت تحتفظ بحرية العمل العسكري داخل لبنان رغم الضغوط الأميركية ورغم الحديث عن تفاهمات إقليمية جديدة.

هكذا تحولت غارة المريجة خلال أقل من أربع وعشرين ساعة من عملية إسرائيلية موضعية إلى أزمة إقليمية شاملة. وبينما تحاول واشنطن احتواء الموقف ومنع الانزلاق إلى حرب واسعة، تبدو المنطقة أمام معادلة جديدة تفيد بأن أي استهداف كبير لبيروت قد يستجر رداً إيرانياً مباشراً، وأي رد إيراني واسع قد يقود بدوره إلى مواجهة لا تقتصر على لبنان أو فلسطين المحتلة، بل تمتد إلى مجمل الشرق الأوسط.

المصدر : الملفات