October 26, 2026

ماذا يأكل أطفال لبنان في المدارس؟.. تقرير وطني يكشف أرقاماً مقلقة

 

لا تقتصر أزمة الغذاء في لبنان على ارتفاع الأسعار وصعوبة تأمين الاحتياجات اليومية، بل تمتدّ إلى ما يأكله الأطفال خلال يومهم الدراسي، في مرحلة يحتاجون فيها إلى غذاء متوازن يساعدهم على النمو والتركيز والتعلّم. وبين خيارات غذائية غير صحية، وقدرة شرائية تحدّ من خيارات العائلات، يطرح واقع التغذية المدرسية أسئلة تتجاوز محتويات علبة الطعام إلى البيئة التي ينشأ فيها جيل كامل.

وأعاد تقرير وطني حديث حول التغذية والبيئة الغذائية في المدارس الرسمية هذا الملف إلى الواجهة، بعدما كشف عن تحديات مقلقة تواجه التلامذة في لبنان. واستند التقييم، الذي أُطلق في 22 تشرين الأول، إلى بيانات جُمعت من 528 مدرسة و6,712 تلميذاً وتلميذة و4,449 أسرة، وشمل مختلف المحافظات اللبنانية.

ومن أبرز ما أظهره التقرير أن 57 في المئة من التلامذة المشاركين لا يلتزمون بالتوصيات الغذائية العالمية، في مؤشر إلى صعوبة حصول شريحة واسعة من الأطفال على نظام غذائي متوازن ومتنوع. كما رصد تراجعاً في استهلاك الأغذية المغذية، مقابل ارتفاع استهلاك المشروبات المحلّاة والوجبات السريعة والأطعمة فائقة المعالجة، التي غالباً ما تحتوي على كميات مرتفعة من السكر أو الملح أو الدهون.

ولا تتوقف المشكلة عند نوعية الطعام، بل تمتد إلى القدرة على الحصول عليه. فقد أفاد نحو تلميذ واحد من كل خمسة بأنه لا يتناول وجبة خفيفة خلال اليوم الدراسي ولا يملك المال لشراء الطعام. ويعيد هذا الواقع تسليط الضوء على الأعباء المعيشية التي تواجهها العائلات اللبنانية، وعلى انعكاساتها المباشرة على احتياجات الأطفال اليومية.

في المقابل، رصد التقييم انتشار أطعمة لا تتوافق مع الإرشادات الغذائية المعتمدة داخل البيئة المدرسية، إلى جانب تعرّض الأطفال للترويج للأطعمة والمشروبات غير الصحية عبر وسائل مباشرة ورقمية. وهذا يعني أن مسؤولية الخيارات الغذائية لا تقع على التلميذ وحده، إذ تتأثر أيضاً بما هو متاح أمامه، وأسعاره، ومدى قدرة أسرته على تأمين البدائل الأفضل.

وتبرز هنا مفارقة تستحق التوقف عندها، تتمثل في تسجيل زيادة في أعباء الوزن الزائد والسمنة بالتزامن مع ضعف التنوع الغذائي. فالحصول على سعرات حرارية كافية لا يعني بالضرورة الحصول على العناصر الغذائية التي يحتاج إليها الجسم. وقد يجتمع تناول الأطعمة الغنية بالسكر والدهون مع نقص استهلاك الفاكهة والخضار وغيرها من الأغذية المغذية، بما يجعل نوعية الغذاء جزءاً أساسياً من المشكلة، لا كميته فقط.

في المقابل، يقدم برنامج الوجبات المدرسية مؤشراً عملياً إلى إمكانية تحسين هذا الواقع. فقد أظهر التقييم أن التلامذة في المدارس المستفيدة من البرنامج كانوا أكثر التزاماً بالتوصيات الغذائية، فيما سجّلت منافذ بيع الطعام فيها التزاماً أفضل بالمعايير التغذوية. وأفاد مقدّمو الرعاية بأن الوجبات المدرسية ساعدت الأطفال على تجربة أطعمة مغذية، وخففت جزءاً من الأعباء عن الأسر، وعززت إقبالهم على المدرسة.

لكن تحويل هذه النتائج إلى تغيير مستدام يتطلب أكثر من تقديم وجبات في عدد من المدارس. فالمطلوب تعزيز الرقابة على الأغذية المعروضة داخل المؤسسات التعليمية، وتوفير خيارات صحية بأسعار مقبولة، ونشر التوعية الغذائية بين التلامذة والأهل، إلى جانب تطوير برامج الوجبات المدرسية بما يتناسب مع الاحتياجات الفعلية للأطفال.

ويضع التقرير، الذي أُعدّ بالتعاون بين وزارة التربية والتعليم العالي وبرنامج الأغذية العالمي واليونيسف والوكالة الفرنسية للتنمية وشركاء آخرين، قاعدة من البيانات يمكن الاستناد إليها في صياغة سياسات وطنية للتغذية المدرسية. ويبقى التحدي الأساسي في الانتقال من تشخيص المشكلة إلى تطبيق إجراءات تضمن وصول الغذاء الصحي إلى أكبر عدد ممكن من التلامذة.

في بلد ترزح فيه العائلات تحت ضغوط اقتصادية متواصلة، لا يمكن التعامل مع تغذية الأطفال باعتبارها تفصيلاً يومياً أو مسؤولية فردية تقع على عاتق الأهل وحدهم. فما يأكله التلميذ في المدرسة يرتبط بصحته وقدرته على التركيز والتعلّم، كما يرتبط بالظروف الاجتماعية والاقتصادية المحيطة به. ومن هنا، فإن تحسين التغذية المدرسية ليس مجرد إجراء صحي، بل استثمار في صحة الجيل المقبل ومستقبله.

المصدر : الملفات