عقوبات أميركية تهزّ لبنان.. مقربون من بري وضباط في الأجهزة الأمنية على اللائحة
في تصعيد أميركي غير مسبوق تجاه لبنان، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) فرض حزمة عقوبات جديدة طالت شخصيات سياسية وأمنية لبنانية بارزة، بتهمة “عرقلة عملية السلام في لبنان” و”المساهمة في الحفاظ على النفوذ العسكري والسياسي لحزب الله داخل مؤسسات الدولة اللبنانية”، في خطوة تعكس انتقال واشنطن إلى مرحلة أكثر تشددًا في مقاربة ملف سلاح الحزب ودوره داخل البنية الرسمية اللبنانية.
العقوبات التي وصفت بأنها الأوسع منذ سنوات، لم تقتصر على كوادر وقيادات سياسية مرتبطة بحزب الله، بل توسعت لتشمل للمرة الأولى ضباطًا من المؤسستين العسكرية والأمنية، إضافة إلى شخصيات مرتبطة بحركة أمل والسفير الإيراني في بيروت، ما يؤشر إلى أن الإدارة الأميركية قررت رفع مستوى المواجهة السياسية والمالية مع محور حزب الله – إيران داخل لبنان، بالتوازي مع التحولات الإقليمية والتطورات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية.
وفي بيانها، اعتبرت وزارة الخزانة الأميركية أن استمرار حزب الله كتنظيم مسلح خارج سلطة الدولة “يقوض قدرة الحكومة اللبنانية على فرض سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية”، مؤكدة أن الحزب “يعتمد على شبكة من المسؤولين السياسيين والأمنيين والمتحالفين معه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية لتثبيت نفوذه وتعطيل أي مسار فعلي لنزع سلاحه”.
وشملت العقوبات أربعة نواب وشخصيات سياسية محسوبة على حزب الله، هم الوزراء والنواب السابقون والحاليون محمد فنيش، حسن فضل الله، إبراهيم الموسوي، وحسين الحاج حسن، حيث اتهمتهم واشنطن بالعمل السياسي والبرلماني لخدمة أجندة الحزب داخل مؤسسات الدولة، وبتوفير الغطاء السياسي لاستمرار بنيته العسكرية. كما طالت العقوبات السفير الإيراني في لبنان محمد رضا شيباني، في رسالة أميركية مباشرة إلى طهران بشأن دورها في إدارة النفوذ السياسي والأمني لحزب الله في لبنان.
وفي تطور اعتبر الأخطر، فرضت واشنطن عقوبات على رئيس دائرة الأمن القومي في المديرية العامة للأمن العام العميد خطار ناصر الدين، ورئيس فرع الضاحية الجنوبية في مديرية المخابرات في الجيش اللبناني العقيد سامر حمادة، متهمةً إياهما بتبادل معلومات استخباراتية مع حزب الله خلال الفترة الماضية، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول تداعيات هذه الخطوة على العلاقة بين لبنان والمؤسسات الأمنية الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة التي تعد من أبرز الداعمين للجيش اللبناني والأجهزة الأمنية.
كما امتدت العقوبات إلى شخصيتين مرتبطتين بحركة أمل، هما أحمد أسعد بعلبكي وعلي أحمد صفاوي، اللذان اتهمتهما واشنطن بالتنسيق الأمني والعسكري مع حزب الله، والمشاركة في عمليات دعم ميداني ولوجستي للحزب، في مؤشر إلى أن الإدارة الأميركية باتت تتعامل مع التحالف القائم بين حزب الله وحركة أمل باعتباره جزءًا من المنظومة نفسها التي تؤمن للحزب الغطاء السياسي والأمني داخل الدولة اللبنانية.
وفي أول رد رسمي، اعتبرت حركة أمل أن العقوبات الأميركية “غير مقبولة وغير مبررة”، مؤكدة أنها تستهدف الحركة ودورها الوطني والسياسي وحرصها على حماية الدولة والمؤسسات، فيما رأى حزب الله أن الخطوة الأميركية تمثل “محاولة ترهيب للشعب اللبناني” وغطاءً سياسيًا للعدوان الإسرائيلي، معتبرًا أن العقوبات تأتي بسبب تمسك الحزب بخيار المقاومة ورفضه “مشاريع الاستسلام” التي تحاول واشنطن فرضها في المنطقة.
وأكد الحزب في بيانه أن العقوبات “لن تغير من خياراته السياسية أو العسكرية”، واصفًا إياها بأنها “وسام شرف” للمشمولين بها، فيما اعتبر أن استهداف ضباط في الجيش والأمن العام يهدف إلى الضغط على المؤسسات الرسمية اللبنانية وإخضاعها للوصاية الأميركية، خصوصًا عشية لقاءات أمنية وعسكرية مرتقبة مع مسؤولين أميركيين.
وفي المقابل، سعت المؤسسات الأمنية اللبنانية إلى احتواء تداعيات القرار الأميركي، فأصدرت المديرية العامة للأمن العام بيانًا شددت فيه على ثقتها الكاملة بضباطها وعناصرها والتزامهم بالقوانين والأنظمة وولائهم الحصري للدولة اللبنانية، مؤكدة أنها ستتخذ الإجراءات القانونية المناسبة في حال ثبوت أي مخالفة. كما أصدرت قيادة الجيش اللبناني بيانًا مماثلًا أكدت فيه أن جميع العسكريين يؤدون واجباتهم الوطنية باحترافية وانضباط ووفق توجيهات القيادة، مشددة على أن ولاء المؤسسة العسكرية هو للبنان وحده.
سياسيًا، تعكس العقوبات الأميركية مرحلة جديدة من الضغوط الدولية على لبنان، في ظل تصاعد الحديث الغربي عن ضرورة معالجة ملف سلاح حزب الله وربطه بمستقبل الاستقرار الداخلي والمساعدات الدولية للبنان، خصوصًا بعد الحرب الأخيرة والتوترات الإقليمية المتصاعدة. ويرى مراقبون أن واشنطن تسعى من خلال هذه الخطوة إلى توجيه رسالة مزدوجة: الأولى إلى حزب الله وحلفائه بأن النفوذ داخل مؤسسات الدولة لم يعد بمنأى عن الاستهداف، والثانية إلى الدولة اللبنانية بأن أي تساهل مع استمرار الحزب كقوة عسكرية مستقلة سيضع لبنان أمام مزيد من العزلة والضغوط السياسية والمالية.
وفيما يُتوقع أن تفتح العقوبات الباب أمام سجالات سياسية داخلية حادة حول دور حزب الله وعلاقته بالدولة، فإن المخاوف تتزايد من انعكاسات القرار على الواقع اللبناني الهش، سواء على مستوى عمل المؤسسات الأمنية أو على صعيد العلاقة مع المجتمع الدولي، في وقت يعيش فيه لبنان واحدة من أكثر مراحله السياسية والاقتصادية حساسية منذ سنوات.
المصدر : الملفات















