من زنزانة الاحتجاز إلى كفالة قياسية وتاريخية.. رياض سلامة يعود إلى الواجهة
اليوم، وبعد أكثر من عام على توقيفه، خرج حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة من السجن بعدما صدر قرار قضائي بإخلاء سبيله مقابل كفالة مالية وقيود قانونية مشددة. المشهد حمل طابعاً استثنائياً في الحياة القضائية اللبنانية، سواء لناحية قيمة الكفالة أو لناحية رمزية الشخصية التي شملها القرار، إذ إن سلامة ارتبط اسمه مباشرة بالانهيار المالي الذي يعيشه لبنان منذ العام 2019، وتحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز المتهمين في ملفات الفساد المالي والإداري. نصّ القرار الذي صدر عن الهيئة الاتهامية في بيروت على إخلاء سبيل سلامة بعد توقيف دام نحو 13 شهراً، مقابل دفع كفالة مالية غير مسبوقة وصلت بحسب المصادر القضائية والإعلامية إلى نحو 14 مليون دولار أميركي إضافة إلى خمسة مليارات ليرة لبنانية، مع منعه من السفر خارج الأراضي اللبنانية لمدة عام كامل. وقد جرى تنفيذ القرار بالفعل مساء اليوم بعد استكمال الإجراءات المالية، ليغادر سلامة السجن في ساعة متأخرة. وتُعد هذه الكفالة الأضخم في تاريخ القضاء اللبناني، الأمر الذي أثار كثيراً من الجدل حول خلفياتها ومعناها القانوني والسياسي. سلامة الذي عُيّن حاكماً لمصرف لبنان العام 1993 واستمر في موقعه حتى العام 2023، واجه خلال ولايته الطويلة اتهامات متراكمة تتعلق بالفساد، الإثراء غير المشروع، التزوير، تبييض الأموال، واستغلال المنصب لمصالح خاصة. وقد ركّزت التحقيقات الأخيرة على قضايا مرتبطة بتحويلات مالية ضخمة قُدرت بعشرات ملايين الدولارات إلى حسابات خاصة، إضافة إلى ملفات تتعلق بعقود استشارات مشبوهة وسحب أموال من المصرف المركزي بطرق غير مشروعة. من الناحية القانونية، شكّل توقيف سلامة منذ أيلول 2024 مادة إشكالية، إذ إن مدة التوقيف الاحتياطي تجاوزت الحدود التي ينص عليها قانون أصول المحاكمات الجزائية، ولا سيما المادة 108 التي تحدد سقف التوقيف بستة أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة فقط. فريق الدفاع، وعلى رأسه المحامي مارك حبقة، كان قد استند مراراً إلى هذا الجانب للمطالبة بإطلاق سراحه، معتبراً أن استمرار احتجازه تحوّل إلى وسيلة ضغط سياسية أكثر من كونه إجراءً قضائياً مشروعاً. رد فعل المحامي حبقة على قرار اليوم جاء حاداً، إذ وصف الكفالة بأنها “تعجيزية وغير عادلة”، مشيراً إلى أن الهيئة الاتهامية لجأت إلى هذا الخيار لتفادي إطلاق سراح موكله بشكل تلقائي مع انتهاء المهلة القانونية للتوقيف. وأوضح أن قيمة الكفالة لا تعكس أي منطق قانوني، بل جاءت نتيجة ضغوط سياسية وشعبية، مؤكداً أن فريق الدفاع يدرس إمكان الطعن بها أو طلب تخفيضها. ومع ذلك، لم يتأخر التنفيذ بعدما جرى تسديد المبلغ المطلوب مساء اليوم، ما سمح بخروج سلامة من السجن وسط إجراءات أمنية مشددة. خارج أسوار القضاء، أثار الإفراج عن سلامة ردود فعل متباينة. جزء من الرأي العام اللبناني رأى فيه دليلاً جديداً على “ازدواجية العدالة” وعلى أن الكبار لا يُحاسَبون كما يجب، خصوصاً أن سلامة يُنظر إليه كأحد رموز الانهيار الذي دمّر مدخرات الناس وترك الاقتصاد في أسوأ أزماته. في المقابل، اعتبر آخرون أن الكفالة القياسية ومنع السفر يشكلان ضمانة كافية لعدم فراره، وأن المحاكمة يجب أن تأخذ مسارها الطبيعي بعيداً عن الضغوط السياسية والشعبية. في كل الأحوال، فإن إخلاء سبيل رياض سلامة لا يعني انتهاء القضية. إذ إن التهم الموجهة إليه ما زالت قائمة، والملفات المرتبطة باسمه لم تُقفل بعد، لا في لبنان ولا في عدد من الدول الأوروبية حيث تجري أيضاً تحقيقات حول ثرواته ومصادرها. وخروج سلامة من السجن هذه الليلة يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة القضائية، ستتضح معالمها مع بدء جلسات المحاكمة وما قد يرافقها من تجاذبات سياسية وقانونية وإعلامية، في بلد لا تزال العدالة فيه محطّ اختبار حقيقي أمام الرأي العام المحلي والدولي. المصدر : الملفات















