في 27 ايلول، قبل عام، شهدت العاصمة بيروت لحظة لم تكن تشبه أيّة لحظة سابقة في الذاكرة اللبنانية بدأت بشن اسرائيل موجة عنيفة من الغارات، ثم خبرٌ بدا وكأنه نسف لكلّ قواعد الاحتمالات، خبر استهداف شخصية كانت تُعدّ لسنوات ركيزة مركزية في معادلات القوة داخل حزبٍ وبلد وإقليمٍ بأسره. كانت الصدمة زلزالاً حقيقياً ألقى بظلاله على البنية النفسية والسياسية لمشهدٍ كامل. تراكمت الوقائع وأظهرت أن ما حدث لم يكن خبراً عابراً. وما أعقبه من اغتيالات متسلسلة قادَ إلى ارتباكٍ سببه انكشاف الاعتماد على شخصٍ كان بمثابة محورٍ متكامل، سياسي، رمزي، واستراتيجي. العمل السياسي والمؤسساتي الطبيعي في مثل هذه الحالات عادة ما يتبع سيناريو انتقالٍ واضح للقيادة. لكن تسلسل الاغتيالات الذي لم يتوقف عند رأس الهرم، وصعّب الوصول إلى خليفة واضح، أحدث فراغاً إدارياً وتنظيمياً. الشخصيات التي كان يُنتظر أن تتولّى الاستمرارية وجدَت نفسها مصطدمة بواقعٍ لا يسمح بانتقال سلس، والنتيجة كانت فترة من الضياع والبحث عن أفق استراتيجي جديد. هذا الفراغ لا يقتصر تأثيره على هيكل القيادة فقط، بل يمتد إلى الروح المعنوية للقاعدة، فعندما يصبح البقاء أولوية، تتراجع المشاريع السياسية، فمن اغتيل كان السيد حسن نصر الله، وهو ما فتح الباب أمام تحولات ضخمة. ما تحوّل عملياً هو موقع الحزب في ميزان القوة اللبناني والإقليمي، فانتقل من فاعل قادر على فرض شروطه، إلى حزب يجاهد للبقاء واعادة الترتيب والتنظيم، ولكن بظل استمرار الحرب الامنية عليه واندلاع حرب سياسية خارجية وداخلية عليه ايضا، فأصبح المشروع كيفية إدارة المرحلة وإظهار القدرة على الصمود والسير مجددا بعد الترميم اللازم. أمام هذا الواقع، تنفتح أمام الحزب عدة مسارات محتملة، كلّها محفوفة بالمخاطر، ففي حين كان يتوقع البعض أن يتمسك الحزب بصورته السابقة على مستوى القيادة والطريقة والاشخاص، يُعيد الحزب اليوم بحسب مصادر مطلعة رسم كل مساراته، وبشكل غير علني، وإجراء تغييرات داخلية على مستوى عال، ومنها ما سيظهر الى العلن في وقت قريب، ومنها ما سينتظر حتى موعد الانتخابات النيابية المقبلة، التي تؤكد المصادر عبر “الملفات” انها ستشهد تبدلاً بأسماء من الوزن الثقيل، في سياق إعادة رسم المسؤوليات داخل التنظيم، علماً أن العمل لأجل الانتخابات قد انطلق، هذا في حال جرت الانتخابات في موعدها. كذلك يظهر الرسم الجديد للحزب واستراتيجيته الجديدة من خلال خطوات سياسية داخلية بدأت مع ركوب تسوية انتخاب جوزيف عون لرئاسة الجمهورية، ووصلت الى مبادرة الشيخ نعيم قاسم باتجاه السعودية، وهي خطوة سببها بالدرجة الاولى القراءة الجديدة للواقع الجديد، وربما تنتهي هذه الخطوة بتسوية تعيد تُعيد ترتيب الملفات، علما أن لرئيس المجلس النيابي نبيه بري دوره في ذلك. بعد عام على اغتيال قائده، يقف “الحزب” أمام واقع مختلف جذريا عن ذاك الذي كان يعيشه قبل أيلول الماضي. فالتنظيم الذي اعتاد أن يُنظر إليه كقوة صلبة لا تتزعزع، بات مضطرا إلى إعادة قراءة نفسه وصورته ودوره في لبنان والمنطقة. الضربات المتلاحقة أفرغت بنيته القيادية من أعمدتها التاريخية، وفرضت عليه مسار إعادة ترتيب داخلي عميق، يتجاوز مجرد تعيين وجوه جديدة إلى إعادة رسم فلسفة القيادة وآلياتها.التبدلات بدأت تترجم بخطوات سياسية غير مألوفة، وبمقاربات أكثر براغماتية، وبانفتاح على تسويات داخلية وخارجية لم يكن يقاربها بهذه الليونة من قبل.الصورة المقبلة للحزب لن تكون نسخة عن ماضيه، بل تشكيلًا جديدًا تفرضه ضرورات البقاء وإعادة التموضع. المصدر : الكاتب والمحلل السياسي محمد علوش – خاص الملفات