September 29, 2026

5 ليترات بنزين بدل نقل.. لكن ماذا عن الراتب الذي تلتهمه المحروقات؟

لم يعد ملف الأجور في لبنان يُقاس فقط بما يدخل إلى جيب الموظف في نهاية الشهر، بل بما يبقى منه بعد دفع كلفة الوصول إلى مكان العمل. ومع ارتفاع أسعار المحروقات وتقلّبها، عاد بدل النقل إلى الواجهة بقوة، لتجد لجنة المؤشر نفسها أمام معادلة تتجاوز مجرد رفع رقم إلى محاولة ربط الأجر بكلفة المعيشة الفعلية.

وفي آخر التطورات، توصّلت لجنة المؤشر إلى آلية جديدة لبدل النقل تقوم على احتساب ما يعادل خمسة ليترات من البنزين عن كل يوم عمل، على أن يُحتسب البدل شهرياً وفق متوسط سعر البنزين، مع وضع حد أدنى يبلغ 500 ألف ليرة وسقف أقصى عند 800 ألف ليرة. ولا يصبح الاتفاق نافذاً قبل صدور المرسوم عن مجلس الوزراء واستكمال الإجراءات القانونية.

اللافت أن هذا التطور يأتي فيما لا يزال الحد الأدنى الرسمي للأجور عند 28 مليون ليرة، في وقت لم تُحسم فيه بعد قيمة الزيادة الجديدة، إذ اتُّفق على استمرار اجتماعات لجنة المؤشر لبحث الحد الأدنى للأجور وتعويضات نهاية الخدمة. أي أن الدولة نجحت حتى الآن في الاتفاق على آلية تعويض جزء من كلفة الطريق، لكنها لم تحسم الراتب الذي يستطيع العامل أن يعيش به فعلياً.

وهنا تظهر المفارقة. فربط بدل النقل بخمسة ليترات يومياً يعطي الموظف آلية أكثر ارتباطاً بالسوق من الرقم الثابت السابق، لكنه في الوقت نفسه يعكس حجم المشكلة، إذ إن المحروقات أصبحت عنصراً أساسياً في تحديد القدرة الشرائية للأجير. وبمعنى آخر، لم تعد الزيادة في الراتب وحدها كافية لقياس تحسّن وضع الموظف، طالما أن جزءاً متزايداً من دخله يذهب للوصول إلى العمل والعودة منه.

لكن الإشكالية في أن المحروقات تبقى مرتفعة في لبنان حتى عندما يتراجع سعر النفط عالمياً، وذلك لأن الأمر لا يرتبط بسعر برميل النفط وحده. فوزارة الطاقة تعتمد في آلية التسعير على أسعار المشتقات النفطية في الأسواق العالمية، وليس على سعر الخام فقط، فيما تُضاف إلى الكلفة عناصر أخرى تشمل الرسوم والضرائب وعمولات التوزيع والصهاريج والمحطات. كما أن آلية التسعير تتأثر بكلفة الاستيراد وسعر الصرف والعوامل المرتبطة بالنقل والتأمين.

وهذا يعني أن انخفاض سعر برنت لا ينتقل بالضرورة وبالسرعة نفسها إلى سعر صفيحة البنزين أو المازوت. فالوقود الذي يصل إلى لبنان هو منتج مكرر يُشترى ويُنقل بحراً ويُؤمّن عليه ويصل إلى خزانات الشركات، وبالتالي فإن السعر العالمي للمشتقات وكلفة الشحن والتأمين وظروف الإمداد قد تكون أكثر تأثيراً من حركة الخام وحدها. وقد أشارت تقارير اقتصادية لبنانية إلى أن اضطرابات المنطقة رفعت كلفة النقل البحري والتأمين، ما يحدّ من انعكاس أي تراجع في سعر النفط الخام على السعر النهائي.

والأهم أن السوق العالمية نفسها لا تسير دائماً وفق اتجاه واحد. ففي الوقت الذي يتحدث فيه البعض عن تراجع في أسعار النفط، ارتفع خام برنت اليوم إلى أكثر من 105 دولارات للبرميل وسط مخاوف مرتبطة بإمدادات الشرق الأوسط، وفق رويترز. وبالتالي فإن المقارنة بين سعر البنزين في لبنان وسعر النفط العالمي تحتاج إلى النظر إلى تاريخ شراء الشحنة وسعر المشتقات المكررة وكلفة النقل والضرائب والرسوم، لا إلى رقم برنت في يوم واحد فقط.

وفي لبنان تحديداً، هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله، وهو الرسوم المحلية. فقد أضيف رسم بقيمة 300 ألف ليرة إلى صفيحة البنزين، وهو ما يرفع السعر النهائي حتى لو لم يرتفع سعر المادة نفسها بالقدر ذاته. واليوم أعلن وزير الطاقة جو الصدي أنه سيطلب إلغاء هذا الرسم أو تعليقه، في محاولة لتخفيف العبء عن المواطنين.

إذا العامل اللبناني لا يواجه مشكلة واحدة اسمها “الراتب المتدني”، بل سلسلة مترابطة من الأكلاف. راتب لا يزال موضع تفاوض، وبدل نقل ظل ثابتاً عند 450 ألف ليرة قبل الاتفاق الجديد، ومحروقات تتحرك تبعاً للأسواق العالمية وسعر المشتقات وكلفة الاستيراد والرسوم المحلية، إضافة إلى كلفة النقل العام والخدمات والسلع التي تتأثر بدورها بسعر المازوت والبنزين.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط كم سيصبح بدل النقل؟ بل هل يستطيع لبنان بناء منظومة أجور تواكب كلفة المعيشة بدل أن يبقى كل ارتفاع في المحروقات يستدعي قراراً جديداً لرفع بدل النقل؟
فإذا كان الموظف يحتاج إلى تعويض جديد كلما ارتفع سعر البنزين، وإذا كانت كلفة النقل تدخل بدورها في أسعار السلع والخدمات، فإن معالجة بدل النقل تبقى معالجة لجزء من المشكلة، فيما يبقى التحدي الأكبر هو الوصول إلى أجر فعلي يحفظ القدرة الشرائية ويأخذ في الاعتبار كلفة العمل نفسها، لا الراتب الاسمي فقط.

وبينما تنتظر آلية بدل النقل مرسومها، وتبقى قيمة الحد الأدنى للأجور موضع تفاوض، يبقى المواطن أمام المعادلة الأصعب: أن يعمل ليحصل على راتب، وأن يقتطع من هذا الراتب ما يكفي للوصول إلى العمل أصلاً.

المصدر : الملفات