October 10, 2026

200 مليون دولار من إيران إلى الحزب.. ماذا يكشف المال عن مرحلة ما بعد الحرب في لبنان؟

 

في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب تضغط على لبنان اقتصادياً واجتماعياً، عاد المال الإيراني إلى الواجهة من بوابة تقرير لوكالة «رويترز» يتحدث عن وصول نحو 200 مليون دولار إلى حزب الله من إيران، بهدف مساعدة عشرات آلاف العائلات اللبنانية التي نزحت خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. وبحسب مصدرين نقلت عنهما الوكالة، فإن الأموال يفترض أن تساعد نحو 50 ألف عائلة، على أن تحصل كل عائلة في المرحلة الأولى على نحو 3 آلاف دولار، مع إعطاء الأولوية للعائلات التي دُمرت قراها أو ما زالت غير قادرة على العودة إليها.

الرقم وحده كفيل بفتح نقاش واسع. 200 مليون دولار في بلد يواجه واحدة من أصعب أزماته المالية والاجتماعية، وفي مرحلة يفترض أن تكون فيها مسألة إعادة النازحين وإعادة إعمار المناطق المتضررة في صلب مسؤوليات الدولة والمجتمع الدولي. لكن أهمية التطور لا تكمن فقط في قيمة المبلغ، بل في الطريقة التي يمكن أن يعيد فيها هذا النوع من التمويل طرح السؤال حول قدرة حزب الله على تأمين شبكة دعم اجتماعي مستقلة عن مؤسسات الدولة، وحول مستقبل العلاقة بين المال السياسي والإغاثة وإعادة الإعمار في لبنان بعد الحرب.

وبحسب التقرير، فإن تحويل الأموال جرى رغم تشديد العقوبات الأميركية التي تستهدف قطع قنوات الدعم المالي الإيراني لحزب الله، فيما قال مسؤولون أميركيون إنهم يشككون في الرواية المتعلقة بالمبلغ، معتبرين أن إيران لا تملك الموارد اللازمة لتمويل الحزب بهذا الحجم. كما أشارت المعلومات التي أوردتها رويترز إلى أن الأموال نُقلت عبر وسطاء يتقاضون عمولات مرتفعة بسبب المخاطر المرتبطة بتحويل مثل هذه الأموال. ولم يصدر تأكيد رسمي لبناني مستقل يثبت العملية، ما يجعل رقم الـ200 مليون دولار في إطار ما أوردته المصادر التي تحدثت إليها الوكالة، وليس رقماً رسمياً معلناً من الدولة اللبنانية.

لكن إذا صحت هذه المعلومات، فإنها تعكس واقعاً يتجاوز المساعدة المالية المباشرة. فالعائلات التي فقدت منازلها أو اضطرت إلى النزوح تحتاج إلى دعم سريع، فيما الدولة اللبنانية تواجه أصلاً أزمة مالية تحد من قدرتها على تمويل عمليات إغاثة وإعمار واسعة. وبالتالي، فإن أي جهة قادرة على ضخ مئات ملايين الدولارات مباشرة إلى قاعدة اجتماعية متضررة تمتلك عملياً قدرة كبيرة على التأثير في مرحلة ما بعد الحرب، ليس فقط اقتصادياً، بل اجتماعياً وسياسياً أيضاً.

وتزداد أهمية الأمر عند النظر إلى طريقة توزيع الأموال. فبحسب رويترز، الحديث يدور عن دفعة أولية تبلغ 3 آلاف دولار للعائلة الواحدة، مع إعطاء الأولوية للعائلات القادمة من قرى مدمرة أو مناطق ما زالت غير قابلة للوصول. وإذا أخذنا الرقم المعلن، فإن توزيع 3 آلاف دولار على 50 ألف عائلة يعني 150 مليون دولار، أي أن جزءاً من مبلغ الـ200 مليون المبلغ عنه سيبقى خارج الدفعة الأولى، ما يفتح الباب أمام مراحل أخرى من المساعدات أو نفقات مرتبطة بعملية التوزيع. وهذه الأرقام، إذا تأكدت، تظهر أن الأمر ليس مجرد مساعدات محدودة، بل شبكة مالية واسعة يمكن أن يكون لها أثر ملموس على حياة عشرات آلاف الأسر.

وهنا تظهر المسألة الأكثر حساسية: أين تقف الدولة اللبنانية في هذه المعادلة؟ فكلما تأخرت الدولة عن امتلاك القدرة المالية والإدارية على مساعدة المتضررين، ازدادت أهمية الجهات غير الحكومية القادرة على القيام بهذا الدور. وهذا لا يقتصر على حزب الله؛ فالحروب والأزمات في لبنان لطالما أنتجت شبكات إغاثة موازية للدولة. لكن حجم التمويل المنسوب إلى إيران في هذه الحالة يعيد طرح السؤال حول ما إذا كانت مرحلة ما بعد الحرب ستشهد عودة أقوى إلى نموذج المساعدات التي تصل إلى المواطنين عبر القوى السياسية والاجتماعية، بدلاً من المرور حصراً عبر مؤسسات الدولة.

ولا يمكن فصل ذلك عن سجل العلاقة المالية بين إيران وحزب الله. فالتقرير نفسه يشير إلى أن الحزب اعتمد تاريخياً على الدعم الإيراني، وأن رويترز قدّرت في تقريرها أن الحزب تلقى نحو مليار دولار من إيران خلال عام 2025. كما تشير الوكالة إلى أن الدعم الذي يقدمه الحزب بعد الحروب لعب دوراً في الحفاظ على قاعدته الاجتماعية، خصوصاً عبر مساعدة العائلات المتضررة وأسر القتلى، في حين أن العقوبات والقيود المالية الدولية جعلت نقل الأموال أكثر صعوبة.

لكن الجديد في المشهد الحالي هو حجم التحدي. فالحرب خلّفت، بحسب الأرقام التي أوردتها رويترز، أكثر من 4300 قتيل في لبنان ومئات آلاف النازحين، بينما لا تزال عملية إعادة الإعمار نفسها تواجه تعقيدات سياسية ومالية وأمنية كبيرة. وفي هذه البيئة، يصبح المال وسيلة لإدارة آثار الحرب بقدر ما يصبح أداة للمساعدة. فالجهة التي تستطيع الوصول سريعاً إلى العائلات المتضررة، وتأمين بدل سكن أو مساعدات نقدية أو تعويضات، تملك قدرة أكبر على تثبيت حضورها في مرحلة شديدة الحساسية.

في المقابل، لا يعني وصول أموال إلى جهة حزبية أن هذه الأموال قادرة تلقائياً على تمويل إعادة إعمار لبنان. فإعادة بناء المنازل والطرقات والبنى التحتية والمؤسسات تحتاج إلى مليارات الدولارات، وإلى مؤسسات رسمية وخطط دولية وتمويل طويل الأمد، وليس فقط إلى مساعدات نقدية مباشرة للأسر. ولهذا فإن مبلغ 200 مليون دولار، حتى لو تأكد، يمكن أن يساعد عشرات آلاف العائلات، لكنه لا يحل أزمة إعادة الإعمار ككل.

المسألة الأخرى التي لا تقل أهمية تتعلق بالعقوبات. فإذا كانت عملية التحويل قد حصلت بالفعل رغم العقوبات الأميركية، فإن ذلك يعني أن شبكات التمويل غير المباشر ما زالت قادرة على إيجاد طرق للالتفاف على القيود، ولو بكلفة أعلى ومخاطر أكبر. وهذا يضع لبنان أمام مشكلة إضافية، لأن أي تشدد دولي تجاه القنوات المالية المرتبطة بحزب الله قد ينعكس على القطاع المالي اللبناني وعلى حركة الأموال والتحويلات، في بلد ما زال يحاول استعادة علاقاته الطبيعية مع النظام المالي العالمي.

وفي المقابل، فإن نفي أو تشكيك مسؤولين أميركيين في قدرة إيران على توفير هذا المبلغ يفرض التعامل بحذر مع الرواية كلها. فالـ200 مليون دولار ليست حتى الآن رقماً أعلنت عنه الحكومة اللبنانية أو مؤسسة مالية لبنانية بشكل رسمي، بل رقماً أوردته رويترز نقلاً عن مصدرين. ولذلك فإن الأهم صحافياً ليس تقديم الرقم كحقيقة نهائية، بل وضعه في سياقه: مصادر تتحدث عن تحويل مالي ضخم، معلومات عن خطة لتوزيعه على نحو 50 ألف عائلة، وتشكيك أميركي في الرواية، وسط واقع اقتصادي لبناني يجعل أي تدفق مالي بهذا الحجم ذا دلالة كبيرة.

وفي النهاية، قد تكون قصة الـ200 مليون دولار أكبر من مجرد خبر مالي. فهي تختصر سؤالاً لبنانياً أساسياً في مرحلة ما بعد الحرب: من سيموّل المواطن المتضرر عندما تكون الدولة عاجزة عن ذلك؟ وإذا كانت الإجابة ستأتي من قوى سياسية أو جهات خارجية مرتبطة بها، فكيف سينعكس ذلك على دور الدولة وعلى شكل المجتمع والاقتصاد والسياسة في السنوات المقبلة؟ لبنان لا يواجه فقط معركة إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل يواجه أيضاً معركة استعادة قدرة الدولة على أن تكون الجهة الأساسية التي تحمي مواطنيها وتساعدهم، حتى لا تتحول المساعدات نفسها إلى ساحة جديدة لتثبيت النفوذ ورسم توازنات ما بعد الحرب.

المصدر : الملفات