غزة تخرج من رماد الحرب إلى فجر الهدنة
في لحظة وُصفت بالتاريخية، دوّى إعلان وقف إطلاق النار في غزة كصوت ولادةٍ جديدة بعد حربٍ أنهكت البشر والحجر. الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب خرج من بوابة “Truth Social” ليُعلن ما سمّاه “المرحلة الأولى من صفقة الهدنة”، مؤكداً أن إسرائيل وحماس وافقتا رسميًا على اتفاقٍ يضمن وقف القتال، إطلاق سراح الرهائن، وبدء انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من القطاع، فيما تولّى الوسطاء تأكيد البنود وضمان التنفيذ.
الخبر الذي أشعل المنطقة من واشنطن إلى الشرق الأوسط، سقط على غزة كحلم طال انتظاره، فاندفعت الحناجر بالتكبير والزغاريد في الشوارع المدمّرة، امتزجت الدموع بضحكات الأطفال، ورفرفت الأعلام الفلسطينية في كل حيّ كأنّ المدينة تستعيد نبضها بعد موتٍ طويل. العائلات وزّعت الحلوى رغم الأنقاض، والشباب رقصوا فوق الركام وهم يردّدون “انتهت النار… بدأ العمر من جديد”.
ترامب، الذي تبنّى المبادرة بصفته الراعي والمفاوض، أعلن أن “الاتفاق بداية سلام دائم وقوي”، شاكراً حماس وإسرائيل على “شجاعتهما في اتخاذ القرار”، فيما حرص على القول إن “كل طرف سيُعامل بإنصاف”. أما في تل أبيب، فبدا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو متردداً بين الارتياح والحرج، فوصف اليوم بـ”التاريخي لإسرائيل”، وأشاد بدور ترامب، لكنه واجه عاصفة انتقادات من أجنحة اليمين التي رفضت أي تسوية تُشرك حماس في مستقبل غزة، معتبرة أنها “تنازل سياسي مقنّع”.
في المقابل، خرج بيان حماس معلناً قبولها بالاتفاق ضمن شروط واضحة، أبرزها التزام إسرائيل الكامل بوقف النار وسحب قواتها وإطلاق الأسرى الفلسطينيين، مع تأكيد الحركة أن “تضحيات غزة لم تذهب سدى، وأن الثوابت الوطنية غير قابلة للمساومة”. وبين ثنايا البيان بدا الموقف حذرًا ومترقّبًا، إذ شددت حماس على “ضرورة وجود ضمانات دولية تمنع أي خرق إسرائيلي”.
الهدنة التي تدخل حيز التنفيذ تدريجياً، تتضمن وفق البنود المعلنة إطلاق سراح جميع الرهائن الإسرائيليين الأحياء بحلول نهاية الأسبوع، وانسحاب القوات الإسرائيلية من أكثر من 70 في المئة من أراضي القطاع، مقابل إفراج إسرائيل عن مئات الأسرى الفلسطينيين وفتح المعابر أمام المساعدات والإغاثة. غير أن الغموض يلفّ تفاصيل “المرحلة الثانية”، التي يُفترض أن ترسم مستقبل الحكم في غزة وإدارة الإعمار، وسط خلافٍ غير محسوم حول من سيُمسك بالسلطة: حماس، السلطة الفلسطينية، أم إدارة انتقالية برعاية دولية.
في الميدان، تواصلت بعض الخروقات المحدودة، فيما عمّت الفرحة الممزوجة بالحذر أرجاء القطاع. صبية يحملون الورود، نساء يلوّحن بالأعلام من فوق الشرفات المهدّمة، وشيوخ يجلسون على الركام يتأملون نهاية حربٍ ظنّوها لن تنتهي. قال أحدهم للصحافة الأجنبية: “لسنا واثقين أن الهدنة ستصمد، لكننا سنحيا على أملها”.
اما ردود الفعل الدولية، فتتابعت بوتيرة غير مسبوقة، إذ رحبت الأمم المتحدة، واعتبر أمينها العام أنطونيو غوتيريش أن “الفرصة سانحة لتحويل النار إلى طريق سياسي نحو حلّ الدولتين”. من جهتها، أشادت تركيا بوساطة ترامب ودعت إلى “سلام عادل وشامل”. كما وضع الاتحاد الأوروبي ثقله الدبلوماسي خلف الاتفاق، فيما رحّبت عواصم عربية عديدة من القاهرة إلى الدوحة، معتبرة أن “التهدئة بداية لا بدّ منها لإنقاذ ما تبقّى من غزة”.
أما في لبنان، فارتفعت الأصوات المباركة من مختلف الاتجاهات، إذ عبّر رئيس الجمهورية وعدد من القادة السياسيين والروحيين عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، متمنّين أن تكون الهدنة “مفتاح الخلاص ونهاية لعقود من الجرح المفتوح”. الأحزاب والفصائل اللبنانية وجّهت التحية “لصمود غزة الأسطوري”، معتبرة أن “وقف النار هو انتصار الإرادة على آلة القتل”.
لكن خلف المشهد المضيء، تدور أسئلة كثيرة: من يضمن التنفيذ؟ كيف سيُعاد إعمار مدينة دُمّرت بالكامل؟ وهل سيسمح الإسرائيليون لحماس بالبقاء قوة فاعلة؟ تلك الأسئلة تُلقي بظلالها على يومٍ يُفترض أن يكون يوم فرح، لكنه محمّل بالشكوك والتحديات. فالحرب انتهت على الورق، لكن الحرب الأخرى، أي حرب الإعمار والسياسة والنفوذ، بدأت للتو.
المصدر : الملفات















