على حافة الحرب الكبرى: ضربة واشنطن لطهران قد تُشعل المنطقة.. ولبنان أمام أخطر اختبار مصيري
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، عاد شبح المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة، على وقع الحديث عن ضربة أميركية وُصفت في بعض الأوساط بأنها “تحذيرية ومدروسة”، فيما رآها آخرون رسالة نارية ممهورة بتوقيع سياسي تفاوضي أكثر مما هي إعلان حرب مفتوحة.
الإعلام الغربي تحدّث عن عمل عسكري محدود الهدف منه إعادة رسم الخطوط الحمراء، خصوصاً في ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني وتمدد النفوذ الإقليمي، بينما سعت طهران إلى التقليل من أهمية الضربة أو احتوائها ضمن إطار الردّ المحسوب، بما يمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تخلط أوراق المنطقة بأكملها.
في الكواليس، لا يبدو أن باب المفاوضات قد أُقفل بالكامل. على العكس، تتحدث مصادر دبلوماسية عن قنوات غير مباشرة ما زالت ناشطة عبر عواصم أوروبية وخليجية، هدفها تثبيت قواعد اشتباك جديدة لجهة تشديد الرقابة على المسار النووي مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات، وضبط ساحات النفوذ الممتدة من العراق إلى سوريا ولبنان.
من هنا، يقرأ بعض المحللين الضربة – إن وُضعت في سياقها الأوسع – كأداة ضغط تفاوضي لتحسين الشروط، لا كخطوة أولى في حرب كبرى. إنها سياسة “العصا قبل الطاولة”، حيث يُرفع منسوب التوتر لخفض سقف المطالب لاحقاً.
لبنان، بطبيعة الحال، لم يكن بعيداً عن هذا المشهد، فوجود حزب الله كحليف استراتيجي لطهران يجعله تلقائياً جزءاً من الحسابات الأميركية – الإيرانية، وجزءاً من أي سيناريو تصعيدي محتمل مع إسرائيل.
في الإعلام الدولي، عاد الحديث عن “الساحة اللبنانية” كورقة ضغط محتملة، وعن الجنوب باعتباره جبهة قابلة للاشتعال إذا ما قررت طهران توسيع الردّ خارج حدودها. إلا أن القراءة الأعمق تشير إلى أن قرار فتح جبهة لبنان ليس تفصيلاً عابراً، بل خطوة كبرى ترتبط بتوازنات داخلية وإقليمية معقدة.
ما يُتداول في التقارير الغربية يفيد بوجود رسائل غير مباشرة تدعو إلى إبقاء الجبهة اللبنانية مضبوطة، وعدم منح إسرائيل ذريعة لشنّ ضربات واسعة قد تعيد خلط المشهد بالكامل.
في المقابل، يحرص خطاب حزب الله العلني على الجمع بين أمرين، تأكيد الالتزام بمحور المقاومة ودعم إيران في مواجهة أي اعتداء، وفي الوقت نفسه عدم الإعلان عن انخراط فوري في أي مواجهة لا تطال لبنان مباشرة. المعادلة التي يحاول الحزب تثبيتها تقوم على الردع المتبادل لا المبادرة بالتصعيد، وعلى ربط أي تحرك بوقائع ميدانية واضحة، لا باعتبارات تضامنية رمزية فقط.
الدولة اللبنانية من جهتها تبدو أكثر وضوحاً في خطابها الرسمي. فالمواقف الصادرة عن الرئاسات والمرجعيات الحكومية تشدد على ضرورة تحييد لبنان عن صراعات المحاور، والتمسك بالقرارات الدولية ولا سيما القرار 1701، في ظل إدراك عميق بأن البلاد لا تحتمل حرباً جديدة فوق أزماتها الاقتصادية والمالية والاجتماعية الخانقة.
الرسالة الرسمية إلى الداخل والخارج واحدة، ومفادها أن لا مصلحة للبنان في الانخراط في مواجهة إقليمية، وأي تصعيد ستكون كلفته مدمرة على بنية الدولة والمجتمع.
أما على مستوى الرسائل الدولية، فتشير أوساط دبلوماسية إلى أن بيروت تلقت إشارات واضحة بضرورة ضبط الإيقاع جنوباً ومنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة. بعض العواصم الأوروبية والخليجية ربط بشكل غير مباشر بين الاستقرار الأمني واستمرار أي دعم مالي أو انخراط استثماري مستقبلي، فيما شددت رسائل أخرى على أن المجتمع الدولي لن يوفر غطاءً سياسياً لأي طرف يجرّ لبنان إلى حرب لا قرار رسمياً بها. في المقابل، تؤكد مصادر مطلعة أن ثمة تفهماً دولياً لحساسية الوضع اللبناني، لكن هذا التفهم مشروط بعدم تحوّل الأراضي اللبنانية إلى منصة تصفية حسابات.
تبدو الضربة الأميركية، سواء أكانت محدودة ميدانياً أم مكثفة إعلامياً، جزءاً من لعبة توازن دقيقة بين الضغط والتفاوض. لا واشنطن مستعدة لحرب إقليمية مفتوحة بكلفتها الباهظة، ولا طهران في وارد التفريط بأوراقها دفعة واحدة.
وبين هذين الحدّين، يقف لبنان على حافة الاحتمالين، إمّا أن ينجح في تثبيت معادلة “التحييد الواقعي” رغم تعقيدات موقعه، وإمّا أن يجد نفسه مجدداً ساحة لتبادل الرسائل بالنار. والرهان اليوم، داخلياً وخارجياً، هو على منع سوء التقدير قبل أن يتحول الضغط المحسوب إلى انفجار غير قابل للضبط.
المصدر : الملفات















