صرخة وبلبلة وإشكالات.. ماذا يجري في الضاحية؟

لم يكن يتوقّع سكان المناطق المتضرّرة جراء العدوان الإسرائيلي على لبنان، لاسيما في الضاحية الجنوبية أن تكون أولى معاركهم بعد شهر من عودتهم إلى بيوتهم، مع مالكي تلك المنازل الذين فاجأوا المستأجرين بمطالبتهم دفع بدلات الإيجار عن شهري الحرب في الوقت الذي لم يبلغوهم عن الأمر قبل ذلك.
ما جرى أثار بلبلة كبيرة لاسيما من قبل المستأجرين الذي تضرّرت مساكنهم وعادوا ثم قاموا بإصلاح الأضرار على نفقتهم، لينصدموا بمطالبة صاحب الملك بدفع بدل الإيجار تحت طائلة إرغامهم على ترك المأجور، إضافةً إلى أن بعض المالكين كانوا قد أبلغوا المنتفعين بعدم الدفع ثم عدلوا عن رأيهم فجأة.
هذا الأمر حدث مع أعداد كبيرة من المواطنين، إذ إن الكل اتّفق على أنه أخلاقياً كان يجب مسامحة المستأجرين الذي عانوا مأساة النزوح، ومنهم من خسر عمله وتوقّف مصدر رزقه، ويُحاول الاستمرار اليوم باللحم الحيّ، وأن الخروج من المنزل كان لظروف قاهرة خارجة عن إرادتهم، وهم حالياً يمرّون بظروف ماديّة صعبة جداً.
يُقابل هذا المشهد، صورة قانونية لا لبس فيها تُفيد بشكل عام بأن لصاحب الملك الحق بالحصول على بدل الإيجار ما لم يمنع ذلك أي تعديل قانوني. لكن في الواقع كانت السلطات قد تنبّهت للأمر وللأوضاع العامة في البلاد منذ بداية معركة الإسناد في الثامن من تشرين الأول العام 2023، حين عُلّقت المهل العقدية والقانونية سواء إجرائية أو شكلية بقانون حمل الرقم 2024/328، والذي يبقى ساري المفعول حتى تاريخ 31/3/2025، وبالتالي فإن كل الإجراءات والمدفوعات المستحقة أصبحت معلّقة طيلة مدة سريان القانون، الأمر الذي أعطى متنفّساً للمواطنين لجهة تأجيل دفعاتهم المالية ريثما تستقيم الأحوال.
إلّا أن ما حدث الشهر الماضي، قلب الأمور وحرم المواطنين من الاستفادة من قانون تعليق المهل ووضعهم في مواجهة مع المالكين، فيما لو عدا ذلك لكانت الأمور “محلولة” وسلكت طريقها الطبيعي. وفي تفاصيل ما جرى، فإن مشكلتين برزتا بشأن القانون المذكور، أوّلها اللغط الذي أثير حول القانون لعدم وضوحه لجهة نوعية الإجراءات المشمولة، وهل أن جميع المهل معلّقة؟ وما المقصود بالمهل العقدية؟ هل تشمل الإيجارات؟ السكنية وغير السكنية أو إحداها؟ وهل إذا كان مكان المأجور في منطقة لم تتعرّض للقصف يشمله القانون أم لا؟
كل هذه التساؤلات كان يمكن تخطّيها والاستفادة من القانون لولا المفاجأة التي قام بها تكتّل لبنان القوي في توقيت غير محسوب، ولو كانت أسباب “التيار” قانونية، ما أدى إلى حرمان جميع المواطنين من قانون كان يمكنه تسيير أمورهم لأشهر مقبلة ريثما يستعيدون حياتهم الطبيعية من دون أن يكونوا مكبلين باستحقاقات مالية تُثقل كاهلهم.
وبطريقة مفاجئة، وفي الوقت الذي بدأ المواطنون يعودون إلى مناطقهم وأعمالها ويُلملون ما حطّمه العدوان الإسرائيلي في محاولة للنهوض من جديد، قدّم تكتل لبنان القوي طعناً بقانون تعليق المهل أمام المجلس الدستوري بتاريخ 19/12/2024، والمفارقة بالأمر أنه وعلى غير عادة قرر المجلس الدستوري بسرعة قياسية تعليق العمل بهذا القانون بتاريخ 23/12/2024 إلى حين البت بالطعن، ما يعني توقّف مفعول القانون مرحلياً إلى حين صدور القرار النهائي، وبالتالي حرمان الناس من الاستفادة منه بحيث أصبحوا ملزمين بسداد مدفوعاتهم في مواعيدها.
فلم يكن يكفي المواطن الحرب والانتكاسات المادية، وعدم إعلان الحكومة حالة الطوارىء التي كانت لتحل الكثير من المشكلات لو اتخذ القرار بها، إلّا هذا الطعن الذي كان من الممكن تأجيله أو التغاضي عن شوائب القانون رأفةً بحال الناس الذين ازدادت الضغوطات حول رقابهم.
هنا لا بد من الإشارة، إلى تعليق المهل لا يعني أن صاحب المأجور لا يمكنه الحصول على أمواله، بل هي حكماً مستحقّة له، ولكن لا يمكنه مطالبة المستأجر بالسداد طيلة فترة التعليق ما يمنح الأخير فرصة لتأمين الأموال والدفع بطريقة مريحة.
المصدر : خاص “الملفات”