بين نار الحرب في الخارج وجمود البيروقراطية في الداخل، وجد عشرات الطلاب اللبنانيين العائدين من جامعات سوريا وأوكرانيا أنفسهم أمام أخطر امتحان في مسيرتهم التعليمية: مستقبلهم الأكاديمي مهدّد، وشهاداتهم معلّقة، وسنوات طويلة من التعب على وشك الضياع. فبعد عودة قسرية فرضتها الظروف الأمنية، تحوّلت معاناتهم إلى أزمة وطنية صامتة امتدت لأشهر من دون أي حل.
طلاب اختصاصات الطب والصيدلة والهندسة كانوا الأكثر تضرراً، في ظل استحالة العودة إلى جامعاتهم لاستكمال الدراسة، وصعوبة الالتحاق بالجامعات اللبنانية وفق الأنظمة المعمول بها. ومع مرور الوقت، لم يعد الخوف محصوراً بسنة دراسية إضافية، بل بات هاجس خسارة سنوات كاملة من الجهد والكلفة المالية، وسط شعور عميق بالظلم بسبب ظروف خارجة بالكامل عن إرادتهم.
ورغم المناشدات المتكررة، أكد الطلاب أن الدولة اللبنانية لم تتجاوب مع مطالبهم، وأن الجامعة اللبنانية لم تقدّم أي حلول عملية. في المقابل، اكتفت وزارة التربية والتعليم العالي بالتأكيد أن الملف قيد المتابعة، وأن الحل يحتاج إلى وقت، نظراً لكبر عدد الطلاب وتعدد مراحلهم الدراسية، إلا أن عامل الوقت كان بالنسبة لهؤلاء الطلاب تهديداً مباشراً لمستقبلهم.
وتفاقمت الأزمة أكثر مع تطبيق القانون 5050، الذي يفرض معادلة الشهادات العليا على أساس نصف سنوات الاختصاص فقط، حتى في حال كان الطالب قد بلغ مراحله الأخيرة. وهو ما كان يعني عملياً إجبار عدد كبير من الطلاب على إعادة سنوات دراسية كاملة، وخسارة تعبهم بشكل مجحف.
وفي معلومات خاصة لموقع “الملفات”، أنه بعد أشهر من الوساطات السياسية واللجان والاجتماعات التي لم تُفضِ إلى أي نتيجة، قرر الطلاب خوض معركتهم الأخيرة. فشكّلوا لجنة رسمية باسمهم، وأعدّوا كتاباً موثّقاً وموقّعاً، تضمّن كل تفاصيل قضيتهم، أعدادهم، مطالبهم، والتداعيات الخطيرة لعدم إيجاد حل، ووجّهوه مباشرة إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري.
وهنا، شكّل تدخل الرئيس بري نقطة التحوّل الحاسمة في القضية. فبمجرد وصول الكتاب إليه، بادر إلى التحرك الفوري من دون أي تأخير، واضعاً ثقله السياسي على خط التعليم العالي ووزارة التربية، ومتابعاً الملف بشكل مباشر وسريع. هذا التدخل لم يكن شكلياً، بل عملياً وفعّالاً، إذ سرّع الاتصالات وفتح الطريق أمام قرار طال انتظاره.
وفي وقت قياسي بعد تدخل بري، انعقد المجلس الأعلى للتعليم العالي، وأصدر قراراً استثنائياً أعفى هؤلاء الطلاب من الخضوع للقانون 5050، ما أنهى جوهر الأزمة. وبموجب هذا الاستثناء، حُمي الطلاب من خسارة سنوات اختصاصهم، ومن إعادة سنوات دراسية أنجزوها فعلياً، إضافة إلى أعباء مالية كبيرة كانت ستُفرض عليهم ظلماً.
القرار سمح للطلاب بمعادلة شهاداتهم بشكل عادل يتناسب مع سنوات الدراسة التي أنجزوها، وفتح أمامهم باب استكمال ما تبقى من اختصاصهم، سواء في جامعات الخارج أو في الجامعات الخاصة اللبنانية، من دون انتقاص من حقوقهم الأكاديمية.
اليوم، تسود أجواء من الارتياح والفرح في أوساط الطلاب، الذين رأوا في تدخل الرئيس نبيه بري خشبة الخلاص بعد أشهر من القلق والخوف. وقد عبّروا عن امتنانهم العميق لهذا التدخل الحاسم، الذي أعاد الاعتبار لتعبهم، وأنصفهم في وجه أزمة لم يكونوا سبباً فيها، بل ضحايا لها.
وبذلك، لم يكن إنصاف هؤلاء الطلاب مجرد قرار إداري، بل رسالة واضحة بأن التدخل السياسي المسؤول، حين يُوضع في خدمة القضايا المحقّة، قادر على قلب المعادلات وحماية مستقبل أجيال كاملة.