حزب الله في زمن الحرب الكبرى: متى يتدخل ولماذا؟
في زمنٍ يبدو فيه الشرق الأوسط كمنطقة تمر بمرحلة قيصرية من التاريخ، حيث تُعاد الولادة بالنار والدم، تواجه البيئة الشيعية في لبنان واحدة من أكثر اللحظات حرجاً وتعقيداً منذ عقود. الحرب الإسرائيلية المفتوحة على إيران، والتي تجاوزت حدود الضربات الأمنية التقليدية إلى حالة صدام استراتيجي مستمر، فرضت على الجماعات والقوى الشيعية، وفي طليعتها حزب الله، إعادة تقييم لموقعها، دورها، ومصيرها.
لم يكن الموقف الشيعي عاطفياً فقط في مقاربته للحرب على إيران. فهذه ليست حرباً على دولة بالمعنى الجغرافي، بل على الرمز، على “العقيدة”، على ما تمثل طهران من منظومة فكرية وعقائدية ومعنوية تمتد من العراق إلى اليمن، وصولاً الى بيروت ودمشق. لذلك، فإن البيئة الشيعية بمعظم أطيافها قرأت هذا الصراع كصراع وجود لا مجرد خصومة إقليمية عادية.
لكن في الوقت نفسه، هناك حذر يصل إلى حدّ الترقب الثقيل في مزاج هذه البيئة. فالحرب التي تُخاض ضد إيران ليست مفاجئة في سياقها التاريخي، لكن خطورتها اليوم أنها تأتي في لحظة تشظي داخلي شيعي كبير، خصوصاً بعد تعقيدات التجربة العراقية، والتحديات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية في لبنان، والاسناد اليمني، والضغط الإقليمي غير المسبوق لتغيير الشرق الأوسط وجعل إسرائيل سيدة مطلقة عليه.
من هذا المنطلق لم يعد السؤال حول مصير المنطقة والطائفة الشيعية بحال انكسرت طهران سؤالاً فرعياً، بل بات يطرحه العقل الجمعي الشيعي على نفسه: ماذا لو انكسرت طهران؟ وماذا عن حزب الله وموقفه من الحرب؟
حزب الله ليس ذراعاً… لكنه جزء من الجسد
في هذا السياق، ندخل إلى لبنان، فبرأي مصادر شيعية مطّلعة لا يمكن قراءة موقف حزب الله من الحرب على إيران كمسألة فصل بين “اللبناني” و”الإيراني”، كما تروج بعض التحليلات، أو تعتبر أن الحزب فصيل إيراني في لبنان بسياق الدعاية الإعلامية التي تُخاض بوجهه، فالحزب الذي نشأ في ظل الثورة الإسلامية، لا يرى نفسه ذراعاً تابعاً لإيران، بل جزءاً حيوياً من هذا الكيان، لكنه في المقابل، وبحسب تأكيد المصادر، ليس في وارد الدخول بحرب لا تتقاطع مع حساباته اللبنانية، ولا تخدم موقعه الاستراتيجي داخل المعادلة الداخلية والإقليمية.
تجزم المصادر عبر “الملفات” أن إيران لم تطلب من حزب الله التدخل بالحرب الحالية، فالحرب واقعة عليها بشكل مباشر، وهي تتولى عملية الدفاع عن نفسها بشكل مباشر أيضاً، لذلك فإن موقف الحزب حتى اللحظة هو “الاحتياط الاستراتيجي” إنطلاقاً من مقولة السيد حسن نصر الله بأن المقاومة تختار الزمان والمكان والطريقة، واليوم يعيد الحزب تطبيق هذا المنطق، ولكن على رقعة حرب إقليمية أكثر تعقيداً.
متى يتغير الموقف؟
برأي المصادر يتحول حزب الله من موقع المراقب إلى الفاعل عندما تُقرر إسرائيل إدخال لبنان إلى الحرب بهدف استنزاف الحزب نفسه، فهو اليوم يعتبر نفسه بموقع المدافع عن لبنان، خصوصاً بظل تقارير تكشف عن نوايا عدوانية إسرائيلية تنطلق من احتلال جنوب الليطاني مع تكثيف الغارات الجوية على بيروت والبقاع، لوصل المناطق المحتلة في الجنوب بالمناطق المحتلة في سوريا، وهذا السيناريو مرتبط بشكل كبير بمسار ونتائج الحرب الإسرائيلية على إيران، مشيرة إلى هناك وجهة نظر أخرى تقول أن الحزب قد يتدخل بحال ضعُف الكيان الإسرائيلي، من اجل إعادة فرض قواعد ومعادلات جديدة يكسر من خلالها المعادلات الحالية.
هل يمتلك الحزب القدرة على التأثير؟
قد يكون السؤال الأهم اليوم إلى جانب متى يقرر الحزب التدخل، هو هل يملك القدرة على تغيير مسار الحرب إذا قرر التدخل؟
ترى المصادر أن الجواب ليس فنياً فقط، بل سياسياً أيضاً، فنعم، الحزب لا يزال يمتلك ترسانة ضخمة من الصواريخ الدقيقة، شبكة واسعة من الأنفاق والكمائن، آلاف المقاتلين المدربين، وتجربة قتالية شاملة، لكنه يدرك أيضاً أن أي دخول مباشر في الحرب مع إسرائيل سيؤدي إلى فتح جبهة الجنوب ولبنان بشكل كامل، وهو ما قد يستنزف قوته على المدى البعيد، ويفتح لبنان على حرب شاملة قد لا يحتملها وضعه الداخلي.
وتُشير المصادر إلى انه “في الحروب الكبرى، لا تُقاس الفاعلية بعدد الصواريخ فقط، بل بقدرة الضربة على قلب المعادلة، وهذا ما يعلمه سوى حزب الله نفسه، وعلى مستوى قيادي، علماً أن التدخل اليوم في الحرب قد لا يعود بالفائدة على أحد سوى إسرائيل نفسها.
“حزب الله ليس خارج المشهد”، تؤكد المصادر، لكنه لا يتعجل الدخول إليه، فهو اليوم يقرأ اللحظة بحسب الظروف المستجدة، ويعلم أن حركة واحدة غير محسوبة جيداً قد تُعدّ انتحاراً، ولكن حركة ذكية في التوقيت المناسب، قد تكفي لتغيير ما.
أما البيئة الشيعية، فهي تقف على ضفة السؤال الكبير: هل هذه الحرب بداية النهاية أم نهاية البداية؟ ولأنها تدرك أن انتصار إيران هو انتصار للهوية التي تبنتها منذ أربعين عاماً وتمكيناً لها في معادلات الإقليم الجديدة، وانكسار إيران انتصار لإسرائيل مع ما يعنيه ذلك من تغيير جذري لمكانتها.
المصدر : خاص ” الملفات” – الكاتب والمحلل السياسي محمد علوش















