حكومة سلام تنال الثقة بتأييد 95 نائباً

نالت حكومة رئيس الوزراء نواف سلام ثقة مجلس النواب اللبناني، اليوم الأربعاء، بعد جلسات ماراثونية استمرت على مدى يومين، حيث حصلت على تأييد 95 نائبًا من أصل 128، فيما رفض 12 نائبًا منحها الثقة، وامتنع 4 نواب آخرين عن التصويت. جاء التصويت بعد مناقشات مكثفة بين النواب، شهدت انقسامات واضحة حول قدرة الحكومة على تحقيق الإصلاحات المطلوبة، وسط أزمات اقتصادية وسياسية متفاقمة.
جلسات مكثفة ومواقف متباينة
عقد المجلس أربع جلسات متتالية، صباحية ومسائية، على مدى 18 ساعة، حيث ألقى 48 نائبًا مداخلاتهم، قبل أن يختتم رئيس الحكومة نواف سلام الجلسة بكلمته، التي أكد فيها التزامه بتحمل المسؤولية ومواجهة التحديات، ولا سيما العمل على تحرير الأراضي اللبنانية من العدو الإسرائيلي.
وأضاف: “سنواصل حشد التأييد العربي والدولي لإلزام إسرائيل بوقف خروقاتها للسيادة اللبنانية. وقد باشرنا، منذ تأليف الحكومة، حملة دبلوماسية واسعة، وسنعمل على تأمين الدعم الدولي لضمان انسحاب إسرائيل من أراضينا وتطبيق القرار 1701”. كما شدد على أن البيان الوزاري “أكد حق لبنان في الدفاع عن نفسه في حال تعرضه لأي اعتداء”.
في هذا السياق، انقسم النواب بين مؤيدين بحذر، رافضين صريحين، وممتنعين عن التصويت فقد أعلن النائب نبيل بدر رفضه منح الثقة، منتقدًا رئيس الحكومة الذي اعتبر أنه اختصر تمثيل الطائفة السنيّة بشخصه دون التنسيق مع نواب الطائفة، وهو ما عكس امتعاضًا من غياب التوافق داخل المكوّن السني. في المقابل، منحت كتلة “التنمية والتحرير” الحكومة الثقة، حيث شدد النائب قبلان قبلان على أن الحكومة يجب أن تبادر دبلوماسيًا لطرح ملف الخروقات الإسرائيلية، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أولوية إعادة الإعمار وحماية أموال المودعين، ما يبرز الهاجس الاقتصادي الذي يشغل اللبنانيين في ظل الأزمة المالية الخانقة.
من جهته، أكد النائب ألان عون أن المواطنين يريدون الإنجازات لا الخطابات، معلنًا منحه الفرصة للحكومة، لكنه وجه تحذيرًا لرئيسها من التباطؤ، بقوله: “لحظة اللي بتسكعوا بيكتروا السلاّخين”، في إشارة إلى أن أي تأخير في الإصلاحات قد يواجه بمعارضة شعبية وبرلمانية متزايدة. وعلى خطٍ موازٍ، شدد النائب إبراهيم كنعان على أن منح الثقة يجب أن يكون منطلقًا لتحقيق الإنقاذ، وليس مجرد إجراء شكلي، معتبرًا أن لبنان أمام فرصة يجب عدم تضييعها، وهو ما تلاقى مع موقف النائب بلال عبدالله الذي رأى أن الحكومة يجب أن تستعيد ثقة الناس وتعزز موقع لبنان عربيًا ودوليًا.
وفي إطار الدعم الحذر، منح النائب عبد الكريم كبارة الثقة لكنه شدد على ضرورة استمرار الرقابة، بينما أعلن النائب إبراهيم منيمنة أن تأييده للحكومة يستند إلى التزاماتها الواردة في البيان الوزاري، داعيًا إلى وقف التعطيل في ملف التشكيلات القضائية وتحقيق العدالة لضحايا انفجار مرفأ بيروت، ما يبرز أحد الملفات الشائكة التي لا تزال تشكل اختبارًا حقيقيًا للحكومة الجديدة.
أما النائب ملحم خلف، فقد أبدى موقفًا وسطًا، معتبرًا أن الجو العام يتطلب إعطاء الحكومة فرصة، لكنه توعد بمطالبة باستقالتها الفورية إذا فشلت في تحقيق الإصلاحات الموعودة.
إلى ذلك، أعاد النائب وليد البعريني طرح فكرة الفدرالية تحت سقف الوحدة الوطنية واتفاق الطائف، مشددًا على أن الهدف ليس التقسيم بل تحقيق العدالة السياسية والاقتصادية، وهو ما ينسجم مع مخاوف بعض القوى من تزايد الحديث عن الفدرالية كحل للأزمات المتراكمة في لبنان.
في المقابل، شدد النائب غسان سكاف على أن الحكومة يجب أن تتعامل بحزم مع ملف النزوح السوري، مؤكدًا أن عبارة “عودة طوعية وآمنة” لم تعد مقبولة، ويجب استبدالها بطرح “العودة الإلزامية” بالتنسيق مع السلطات السورية، في إشارة إلى تصاعد الضغوط السياسية والاقتصادية الناجمة عن هذا الملف.
أما النائب وائل أبو فاعور، فقد أشار إلى أن الحكومة تمثل بصيص أمل في مرحلة مليئة بالتحديات، لكنه طالب برفع الحصانات عن المسؤولين ومحاسبة الفاسدين، داعيًا إلى إعادة إطلاق الإصلاحات السياسية المنصوص عليها في اتفاق الطائف، ومنها تشكيل مجلس الشيوخ وإقرار اللامركزية الإدارية، ما يعكس انقسامًا في الرؤى حول الأولويات الوطنية.
وعلى وقع النقاشات، شهدت الجلسة توترًا بين النواب ورئيس مجلس النواب نبيه بري، حيث انسحب نواب التيار الوطني الحر اعتراضًا على عدم منحهم الوقت الكافي للمداخلات، خاصة بعد أن استغرق خطاب رئيس التيار جبران باسيل نصف ساعة.
من جانبه، ركز النائب ميشال الدويهي على ضرورة تحييد لبنان عن المحاور الخارجية وتعزيز دولة القانون والمؤسسات، مشيرًا إلى أن عبارة “حق لبنان بالدفاع عن النفس” الواردة في البيان الوزاري كان من الأفضل استبدالها بعبارة “حق الدولة في الدفاع عن نفسها”، للتأكيد على أن هذا الدور يجب أن يكون حصريًا بيد الدولة، في إشارة غير مباشرة إلى ضرورة حصر السلاح بالمؤسسات الرسمية.
وفي موقف مشابه، أكد النائب أسامة سعد أن منح الثقة لا يعني التراجع عن المحاسبة الشعبية، مشددًا على ضرورة أن تستعيد الحكومة دور الدولة من قبضة النفوذ السياسي.
أما النائب أديب عبد المسيح، فقد ركّز على قضايا الأمن الوطني، داعيًا إلى إقرار خدمة وطنية للشباب اللبناني، فيما رأى النائب أشرف ريفي أن الحرب في المنطقة على وشك الانتهاء، داعيًا اللبنانيين إلى الاستعداد للعودة إلى الدولة، في إشارة إلى أن لبنان يحتاج إلى استقرار سياسي جديد بعد فترة طويلة من الاضطرابات.
اتخذ النائب عماد الحوت موقفًا متحفظًا، حيث امتنع عن التصويت، مؤكدًا أن نجاح الحكومة يُقاس بالأفعال وليس بالكلمات، وهو موقف يتلاقى مع عدد من النواب المستقلين الذين يراقبون أداء الحكومة قبل اتخاذ موقف حاسم.
وفي المقابل، أعلن النائب جان طالوزيان منحه الثقة للحكومة، معتبرًا أنها تمثل بداية عهد الرئيس جوزاف عون، مشددًا على ضرورة دعم هذا العهد لإعطائه الفرصة لتحقيق الإصلاحات المطلوبة.
مع نيلها الثقة، تواجه حكومة سلام اختبارًا حقيقيًا في تنفيذ وعودها وسط بيئة سياسية متوترة وأزمة اقتصادية خانقة. ويبقى السؤال الأساسي: هل ستنجح الحكومة في تحقيق الإصلاحات، أم ستكون محطة جديدة في مشهد الأزمات اللبنانية المتكررة؟ الأيام المقبلة ستكون كفيلة بالإجابة.
المصدر : الملفات