الكهرباء في لبنان أمام مفترق طرق.. هل يقترب البلد من نهاية عصر المولدات؟
عاد ملف الكهرباء إلى الواجهة بقوة، لكن هذه المرة من بوابة تبدو أكثر جدية من مجرد وعود بزيادة ساعة أو ساعتين من التغذية. فلبنان يقف أمام محاولة جديدة لإعادة تنظيم قطاع الكهرباء على أساس زيادة تدريجية في ساعات التغذية خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، بالتوازي مع العمل على حلول يفترض أن تكون أكثر استدامة على المدى المتوسط. وفي هذا السياق، بحث رئيس الحكومة نواف سلام مع وزير الطاقة والمياه جو الصدي في الخطوات العملية التي يمكن أن تسمح برفع ساعات التغذية، على أن يُستكمل البحث في اجتماع خاص يوم الجمعة، وسط توافق على مجموعة من المشاريع لمعالجة أزمة الكهرباء بصورة مستدامة.
لكن السؤال الذي يهم اللبناني فعلياً لا يتعلق فقط بعدد ساعات التغذية التي يمكن أن تضاف إلى الشبكة، بل بما إذا كانت الدولة قادرة هذه المرة على بناء قطاع كهرباء يسمح للمواطن بالخروج تدريجياً من المعادلة التي عاشها لسنوات: فاتورة لمؤسسة كهرباء لبنان، وفاتورة أخرى للمولد، وكلفة إضافية للطاقة البديلة عند من استطاع تركيبها. فالمشكلة لم تعد مجرد نقص في التيار، بل تحولت إلى نظام اقتصادي كامل نشأ حول انقطاع الكهرباء، وأصبح التخلص منه يحتاج إلى أكثر من تأمين الفيول.
وتكشف أرقام مؤسسة كهرباء لبنان حجم الفجوة. ففي تموز الماضي، قالت المؤسسة إن القدرات الإنتاجية المتوافرة على الشبكة لا تصل إلى 1000 ميغاواط، وإن هذا الواقع يؤدي إلى تذبذب في التردد والتوتر وخروج عناصر من الشبكة عن الخدمة بصورة مفاجئة، ما يجعل احتمال الانقطاع العام قائماً بشكل يومي، فيما بلغ متوسط التغذية في حينه نحو أربع ساعات يومياً، مع استثناء الخطوط التي تغذي المرافق الحيوية. وهذا الرقم يفسر إلى حد كبير لماذا بقي المولد الخاص جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، حتى بعد محاولات إصلاح التعرفة وزيادة الجباية.
المفارقة أن الدولة كانت قد حققت قبل الحرب تقدماً ملحوظاً نسبياً. فبحسب وزير الطاقة، وصلت التغذية في شباط 2026 إلى ما بين سبع وتسع ساعات يومياً، قبل أن تؤدي الحرب وارتفاع أسعار النفط إلى قلب المعادلة ورفع كلفة شحنات الفيول. كما أكد الصدي في تموز أن الدولة ومؤسساتها مدينة لمؤسسة كهرباء لبنان بنحو 50 مليون دولار شهرياً من الإعفاءات والديون، معتبراً أن استمرار عدم تسديد هذه المستحقات يضع قدرة المؤسسة على تأمين التغذية تحت ضغط كبير.
وهنا تظهر العقدة الأساسية في أن زيادة التغذية تحتاج إلى كهرباء، والكهرباء تحتاج إلى وقود وتمويل، والتمويل لا يمكن أن يستمر إذا بقيت الدولة عاجزة عن تحصيل مستحقاتها أو إذا استمرت المؤسسات العامة في استهلاك الطاقة من دون تسديد ما عليها. لذلك فإن الحديث عن زيادة ساعات التغذية لا يمكن فصله عن ملف الجباية.
مؤسسة كهرباء لبنان نفسها تقول إن تحسن التغذية خلال السنوات الأخيرة ارتبط إلى حد كبير بجباية الفواتير وحملات إزالة التعديات، وإن شراء الفيول يتم من الإيرادات المالية الذاتية للمؤسسة.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية لا تدور فقط حول إنتاج المزيد من الكهرباء، بل حول تحويل مؤسسة كهرباء لبنان إلى مؤسسة قادرة على تمويل إنتاجها واستمراريته. فالتعرفة الحالية تقوم على احتساب أول 100 كيلوواط/ساعة بسعر 10 سنتات أميركية، وما يزيد على ذلك بـ27 سنتاً، وفق آخر البيانات المنشورة للمؤسسة، التي ربطت استمرار التغذية أيضاً بتسديد المستحقات.
وفي المقابل، بقيت كلفة المولدات مرتبطة بأسعار المحروقات وساعات التشغيل وسعر الصرف، ما يجعل أي تحسن في كهرباء الدولة ذا أثر مباشر على جيب المواطن.
لكن الوصول إلى كهرباء أكثر استقراراً لا يمكن أن يعتمد على الفيول وحده. فوزارة الطاقة تتحدث عن الحاجة إلى زيادة القدرة الإنتاجية عبر إشراك القطاع الخاص وإنشاء معامل حديثة تعمل على الغاز، فيما أشار الصدي إلى أن القدرة المتوافرة حالياً لا تتجاوز ثلث الحاجة في أفضل الأحوال، وأن زيادة ساعات التغذية مرتبطة أيضاً بتحسين الجباية. وهذا يعني أن الحل، إذا أريد له أن يكون فعلياً، يجب أن يجمع بين الإنتاج والجباية والشبكة والتمويل، لا أن يكتفي بإجراءات إسعافية كلما اقترب لبنان من العتمة.
وفي موازاة الإنتاج المحلي، هناك خيارات أخرى مطروحة لاستجرار الطاقة. فالعرض التركي الذي جرى بحثه يقوم على مسارين، أحدهما عبر تبادل الكهرباء مع سوريا، والآخر من خلال إنشاء كابل كهربائي يصل تركيا بالساحل السوري ثم طرابلس. وبحسب الشرح الرسمي، فإن الشبكة التركية ليست متصلة مباشرة بلبنان، ولذلك يمكن أن تقوم الآلية على تزويد سوريا بالكهرباء التركية مقابل حصول لبنان على كمية مماثلة من الجانب السوري، أو عبر الربط الكهربائي مستقبلاً.
وهذه الخيارات قد تساعد في سد جزء من الفجوة، لكنها لا تلغي الحاجة إلى إصلاح القطاع من الداخل. فالاستجرار الخارجي يمكن أن يكون جسراً مؤقتاً أو مكملاً للإنتاج المحلي، لكنه لا يستطيع أن يحل وحده مشكلة مؤسسة تعاني من نقص الإنتاج والتمويل والهدر والاعتداءات على الشبكة وعدم انتظام الجباية. وإذا كانت الدولة تريد فعلاً الوصول إلى مرحلة يصبح فيها المولد احتياطياً لا أساسياً، فعليها أن تجعل كهرباء الدولة أكثر موثوقية وأقل كلفة وأكثر انتظاماً.
من هنا، فإن احتمال الإعلان عن زيادة ساعات التغذية فحسب، بل من السؤال الأوسع الذي يواجه الحكومة هو هل ستكون الزيادة المقبلة خطوة مؤقتة لتمرير الأزمة، أم بداية مسار فعلي لإعادة بناء قطاع الكهرباء؟ فاللبناني لا يريد وعداً جديداً بساعات إضافية، بل يريد أن يعرف متى يمكن أن تصبح الكهرباء العامة قادرة على تأمين حاجته الأساسية، ومتى يستطيع أن يتوقف عن دفع فاتورتين مقابل الخدمة نفسها.
إذا نجحت الحكومة في رفع التغذية تدريجياً، وتأمين التمويل، وتحسين الجباية، وزيادة الإنتاج، وتطوير الشبكة، وفتح الباب أمام الغاز والاستجرار والاستثمار الخاص، فقد يبدأ فعلاً تراجع الاعتماد على المولدات. أما إذا بقيت المعالجة محصورة بالفيول والقرارات المؤقتة، فقد يحصل المواطن على ساعات إضافية من الكهرباء، لكنه سيبقى أسير النظام نفسه. لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست بين كهرباء الدولة والمولدات فحسب، بل بين نموذج قديم يقوم على إدارة الانقطاع، ونموذج جديد يفترض أن يجعل الكهرباء خدمة عامة مستقرة وقابلة للاستمرار.
المصدر : الملفات















