October 19, 2026

الحدود اللبنانية – السورية تحت المجهر.. هل تغيّرت خريطة التهريب؟

 

لم تعد الحدود اللبنانية السورية مجرّد ملف أمني تقليدي يرتبط بعمليات التهريب العابرة بين البلدين، بل باتت إحدى أبرز نقاط الاختبار لقدرة الدولة اللبنانية على ضبط أراضيها، في ظل التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها سوريا، وتزايد المخاوف من انتقال السلاح والمواد المتفجرة عبر المسالك الحدودية غير الشرعية.

وتكتسب هذه القضية أهمية إضافية مع تكرار عمليات ضبط شحنات متفجرة ومحاولات تهريب في مناطق حدودية مختلفة. ففي 12 تشرين الأول، أعلن الجيش اللبناني ضبط نحو 200 كيلوغرام من المواد المتفجرة في قطاع القصر ـ الهرمل، كانت معدّة للتهريب من الأراضي السورية إلى لبنان، وفق البيان العسكري. وأشارت المعطيات المنشورة إلى أن المواد كانت محمولة في أكياس على ظهور بغال، في مؤشر إلى استمرار استخدام المسالك الجبلية الوعرة التي يصعب ضبطها بالوسائل التقليدية.

ولا تقتصر التحديات على تهريب المواد المتفجرة، إذ شهدت الحدود أيضاً عمليات مرتبطة بتهريب البضائع والتبغ والمعادن. وفي 7 تشرين الأول، أفاد الجيش اللبناني بإحباط عملية تهريب في جرود عرسال، بعد اشتباك مع مهرّبين وضبط خمس شاحنات صغيرة محمّلة بنحو خمسة أطنان من النحاس والقصدير، إضافة إلى كمية من التبغ. وفي اليوم التالي، أعلنت السلطات السورية إحباط عملية تهريب قرب منطقة يبرود، من دون أن تتضح بصورة قاطعة صلتها بالحادث الذي شهدته الجهة اللبنانية من الحدود.

وتكشف هذه الوقائع أن التحدي لا يتعلق فقط بحجم الحدود واتساعها الجغرافي، بل أيضاً بتنوع المواد التي يجري تهريبها، واختلاف طرق النقل المستخدمة، وقدرة الشبكات على الاستفادة من الممرات الجبلية والطرق غير الرسمية. كما أن ضبط شحنة لا يعني بالضرورة تفكيك الشبكة التي تقف وراءها، إذ يتطلب ذلك تتبع مصادر المواد، والجهات التي تتولى نقلها، والوجهات النهائية، ومصادر التمويل، بالتوازي مع استكمال التحقيقات القضائية والأمنية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التنسيق بين بيروت ودمشق، ولا سيما أن التهريب لا يتوقف عند حدود دولة واحدة، وأن ملاحقة الشبكات تتطلب تبادل المعلومات ومتابعة تحركات المشتبه بهم وضبط المعابر غير الشرعية على جانبي الحدود. وقد نقلت تقارير لبنانية عن مصادر أمنية وجود تعاون بين الجانبين لمكافحة التهريب، فيما أظهرت العمليات الأخيرة أن المسألة لا تزال تحتاج إلى متابعة ميدانية مستمرة.

غير أن نجاح هذا التعاون يبقى مرتبطاً بقدرته على الانتقال من التنسيق المعلن إلى إجراءات قابلة للقياس، تشمل تطوير المراقبة الحدودية، وتعزيز الإمكانات التقنية والبشرية، وتبادل المعلومات بصورة منتظمة، وتوحيد الجهود في مواجهة الشبكات التي تستفيد من الثغرات الأمنية. كما أن الاقتصار على الإجراءات العسكرية لا يكفي لمعالجة اقتصاد التهريب، ما لم يترافق مع عمل قضائي ومالي يلاحق المستفيدين من هذه الأنشطة ويحد من قدرتهم على إعادة تشكيل شبكاتهم.

وتفرض التطورات الأخيرة سؤالاً أساسياً على الدولة اللبنانية: هل تستطيع تحويل ضبط الشحنات المتفرقة إلى استراتيجية متكاملة للسيطرة على الحدود؟ فالمعيار الحقيقي لا يتمثل فقط في عدد العمليات التي يعلن عنها الجيش، بل في القدرة على تقليص مسارات التهريب، وتحديد المسؤوليات، ومنع تكرار المحاولات، وحماية لبنان من انتقال الأسلحة والمواد الخطرة عبر أراضيه. وفي منطقة تتداخل فيها الحسابات السياسية والأمنية، يصبح ضبط الحدود جزءاً من معركة أوسع لتثبيت سلطة الدولة ومنع استخدام الأراضي اللبنانية ممراً لصراعات تتجاوزها.

المصدر : الملفات