من غزة إلى قطر.. “تل أبيب” توسّع ميدان المواجهة وتخلط الأوراق الإقليمية
في سابقة خطيرة هزّت الخليج والمنطقة بأسرها، استهدفت “إسرائيل” العاصمة القطرية الدوحة بغارات جوية دقيقة طالت اجتماعًا لقيادات من حركة حماس كانوا يناقشون خلاله مقترحًا لوقف إطلاق النار في غزة.
العملية، التي أسفرت عن مقتل خمسة من عناصر الحركة ومسؤول أمني قطري، ونجاة أبرز القادة، فتحت الباب أمام تصعيد سياسي وأمني غير مسبوق، وطرحت أسئلة جوهرية حول مستقبل الوساطة القطرية ومآلات الصراع في الشرق الأوسط.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سارع إلى تبني العملية، واصفًا إياها بأنها “عملية مستقلة تمامًا”، ورد مباشر على ما اعتبره اعتداءات استهدفت القدس وغزة، ومشددًا على أنّ “إسرائيل” لن تسمح بوجود قيادة آمنة لحماس خارج حدودها. في المقابل، اعتبرت قطر الغارات انتهاكًا صارخًا لسيادتها ووصفتها بالعمل “الجبان والإجرامي”، معلنة فتح تحقيق رسمي، ومؤكدة أنها ستتخذ ما يلزم لحماية أمنها القومي.
وفي السياق، جاءت ردود الفعل العربية سريعة ومتشددة، إذ دانت السعودية والإمارات “الاعتداء السافر”، محذرتين من تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة، فيما شددت مصر والأردن ولبنان على أنّ ما جرى يُعدّ “خرقًا للقانون الدولي” واستهدافًا متعمدًا للجهود الدبلوماسية الرامية إلى وقف النزاع. أما السلطة الفلسطينية، فقد وصف رئيسها محمود عباس الغارة بـ“الجريمة الفاضحة” ودعا المجتمع الدولي إلى التحرّك الفوري لوقف التصعيد.
بدوره، لم يقف المجتمع الدولي بدوره لم يقف مكتوف الأيدي، فقد دان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشدة الهجوم، ورأى فيه انتهاكًا مباشرًا لسيادة دولة عضو في المنظمة، داعيًا إلى ضبط النفس والعودة للمسار الدبلوماسي. وانضم كل من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا إلى الإدانات، فيما عبّرت الهند عن “قلق عميق” من هذه السابقة التي قد تهدد الأمن العالمي.
أمّا تركيا وإيران اعتبرتا الغارة عدوانًا يفتح أبواب التصعيد، في حين عبّر الفاتيكان عن قلق بالغ إزاء التدهور المتسارع للأوضاع.
لكن ما يتجاوز الإدانات المباشرة هو ما يحمله الهجوم من دلالات سياسية أعمق. فإسرائيل لم تستهدف قيادات حماس فحسب، بل وجّهت ضربة مباشرة إلى الدور القطري الذي مثّل خلال السنوات الماضية نافذة التفاوض الأساسية مع الحركة. هذا الاستهداف من شأنه أن يضعف مكانة الدوحة كوسيط موثوق ويقوّض محاولات وقف إطلاق النار، بل وربما ينسف مسار الوساطات الخليجية برمّتها. وفي الوقت نفسه، حملت العملية رسالة واضحة إلى “محور المقاومة” بأنّ “إسرائيل” ستواصل سياسة “الوقاية المركّزة”، أي ملاحقة القادة حيثما وجدوا، حتى وإن كانوا في عواصم عربية.
سياسيًا، الهجوم يربك مسار التطبيع العلني مع “إسرائيل”، بعدما كانت بعض العواصم الخليجية تسعى إلى إعادة ترتيب العلاقة في إطار تفاهمات إقليمية أوسع. الآن بات الأمن يتصدر المشهد مجددًا على حساب مشاريع السلام والتعاون الاقتصادي، ما يعزز الانقسامات داخل المنطقة ويفتح الباب أمام تحالفات جديدة غير معلنة.
أمّا العواقب المباشرة فتبدو ثقيلة، إذ إن فرص التوصّل إلى وقف لإطلاق النار في غزة تراجعت بشكل حاد، والدبلوماسية الخليجية باتت مهددة بالاستقطاب بين محور داعم لقطر وآخر متوجس من تداعيات المواجهة مع “إسرائيل”. أما على المستوى الأمني، فإن استهداف عاصمة خليجية بهذا الشكل قد يطلق سباقًا للتسلح ويؤدي إلى تعزيز السياسات الدفاعية في المنطقة. ودوليًا، ستتواصل الإدانات، لكن الموقف الأميركي يبقى العامل الحاسم في تحديد سقف التصعيد، إذ إن واشنطن وحدها قادرة على كبح اندفاعة “تل أبيب” أو تغطية خطواتها.
هكذا، لم تكن الغارات على الدوحة مجرد ضربة عسكرية محدودة، بل زلزالًا سياسيًا وأمنيًا قلب التوازنات رأسًا على عقب. وبين الإدانات الدولية والتحركات العربية، يجد الشرق الأوسط نفسه أمام مفترق طرق حاسم: إما العودة إلى مسار التهدئة بضغوط دولية، أو الانزلاق إلى مواجهة أوسع لا يعرف أحد أين ستنتهي.
المصدر : الملفات















