مسيّرات الـFPV.. السلاح الذي قلب معادلة الجنوب وأدخل إسرائيل في سباق ذعر تكنولوجي
في الحرب الحديثة، لم تعد المعركة تُحسم فقط بالطائرات المقاتلة أو الصواريخ البعيدة المدى، بل دخل لاعب صغير الحجم، منخفض الكلفة، شديد الفتك، وهو مسيّرات الـFPV.
هذا النوع من المسيّرات، الذي استخدم بكثافة في الحرب الروسية – الأوكرانية، انتقل اليوم إلى جبهة جنوب لبنان، حيث بات يشكل أحد أبرز أسلحة حزب الله في مواجهة الجيش الإسرائيلي، ليس فقط ميدانياً، بل نفسياً وتقنياً وسياسياً أيضاً.
مسيّرات FPV أو “First Person View” هي طائرات صغيرة يتم التحكم بها مباشرة عبر نظارات وكاميرات تنقل للمشغّل صورة حية وكأنه داخل الطائرة نفسها. لكن النسخة التي يستخدمها حزب الله ليست تقليدية، بل تعتمد على “الألياف الضوئية – Fiber Optic”، ما يجعلها شبه محصّنة ضد التشويش الإلكتروني الإسرائيلي.
تقنياً، تكمن خطورة هذه المسيّرات في ثلاثة عناصر أساسية:
أولاً، كلفتها الزهيدة مقارنة بالأهداف التي تضربها. فبعض التقارير الإسرائيلية والغربية تتحدث عن مسيّرات لا تتجاوز كلفتها بضع مئات من الدولارات، لكنها قادرة على استهداف دبابات “ميركافا” وآليات عسكرية بملايين الدولارات.
ثانياً، قدرتها على الطيران المنخفض والمناورة بين التلال والأشجار والمباني، ما يصعّب على الرادارات اكتشافها.
أما العامل الأخطر فهو أنها لا تعتمد على موجات راديوية يمكن التشويش عليها، بل تُقاد عبر أسلاك ألياف ضوئية تمتد خلف المسيّرة، ما يعني أن أنظمة الحرب الإلكترونية الإسرائيلية تصبح شبه عاجزة أمامها.
لهذا السبب تحديداً، تحوّلت هذه المسيّرات إلى “كابوس عملياتي” داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
تقارير إسرائيلية عدة أقرت بأن الجيش لا يملك حتى الآن “حلاً سحرياً” لوقف هجمات الـFPV، وأن هذه المسيّرات نجحت خلال الأسابيع الأخيرة في إصابة وقتل جنود وإصابة آليات ومواقع عسكرية.
والأخطر بالنسبة للإسرائيليين أن هذه المسيّرات لا تستنزف فقط الجنود، بل تستنزف العقيدة العسكرية الإسرائيلية نفسها.
إسرائيل بنت استراتيجيتها الدفاعية طوال سنوات على التفوق الجوي، والتشويش الإلكتروني، والقبة الحديدية، وأنظمة الرصد المتطورة. لكن فجأة، ظهرت طائرات صغيرة، يصعب كشفها، لا تتأثر بالتشويش، وتستطيع إصابة أهداف دقيقة من مسافات قريبة.
وهنا بدأت المقارنة داخل الإعلام العبري بين جنوب لبنان وحرب أوكرانيا، حيث غيّرت مسيّرات FPV شكل المعارك البرية بالكامل.
الصحافة الإسرائيلية تحدثت خلال الأيام الماضية عن حالة استنفار داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية، دفعت رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى عقد اجتماع طارئ مع قادة الجيش والأجهزة الأمنية لبحث مواجهة هذا التهديد. ووفق تقارير إعلامية، تم إقرار خطة طوارئ بقيمة تقارب 700 مليون دولار لتطوير تقنيات جديدة مضادة لمسيّرات الـFPV.
الخطة الإسرائيلية تشمل:
رادارات صغيرة متنقلة لرصد المسيّرات المنخفضة.
أنظمة اعتراض قريبة شبيهة بـ”تروفي”.
تطوير مسيّرات هجومية مضادة.
وحتى إنشاء خطوط إنتاج داخلية لتصنيع FPV إسرائيلية بكميات كبيرة.
لكن رغم ذلك، تعترف تقارير إسرائيلية بأن المواجهة مع هذا النوع من السلاح تحتاج وقتاً، وأن الحل الكامل غير موجود حتى الآن.
سياسياً، ما يجري يتجاوز مجرد “تكتيك عسكري”.
حزب الله يحاول من خلال هذا السلاح تكريس معادلة جديدة: القدرة على استنزاف الجيش الإسرائيلي بأدوات منخفضة الكلفة وعالية التأثير، وإظهار أن التفوق التكنولوجي الإسرائيلي لم يعد كافياً لحسم المعركة.
كما أن هذا التطور يوجّه رسالة إقليمية بأن محور المقاومة بات يواكب تحولات الحروب الحديثة، وينتقل من الصواريخ التقليدية إلى “الحرب الذكية” القائمة على المسيّرات الدقيقة والرخيصة والمرنة.
أما داخل إسرائيل، فالمعضلة أكبر من مجرد طائرة صغيرة.
الخوف الحقيقي يكمن في تحوّل هذه المسيّرات إلى سلاح يومي واسع الانتشار، قادر على ضرب الجنود، والمواقع، وحتى المستوطنات الشمالية، من دون قدرة فعالة على ردعه. ولهذا تصف بعض التقارير الإسرائيلية هذه المسيّرات بأنها “التهديد الأخطر على القوات البرية منذ سنوات”.
المشهد اليوم يكشف بوضوح أن الحرب في جنوب لبنان دخلت مرحلة جديدة، مرحلة لم تعد فيها الكلفة العسكرية مرتبطة بحجم السلاح، بل بفعاليته وتأثيره.
وفي هذه المعادلة الجديدة، تبدو مسيّرات الـFPV أكثر من مجرد طائرات صغيرة، إنها سلاح يفرض على إسرائيل إعادة التفكير بعقيدتها الأمنية كاملة.
المصدر : خاص – الملفات















