مبانٍ مهدّدة بالسقوط.. هل ينتظر لبنان الكارثة؟
في بلدٍ تتراكم فيه الأزمات، تبدو بعض المخاطر وكأنها مؤجّلة إلى حين وقوعها. ومن بين الملفات التي تعود إلى الواجهة اليوم، ملف الأبنية المتصدّعة والآيلة للسقوط، بعدما تابعت اللجنة الفرعية المنبثقة عن لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه بحثه مع الجهات المعنية في مجلس النواب. ويعكس استمرار البحث في الملف منذ أشهر حجم التعقيد الذي يحيط به، إذ سبق أن عقدت اللجنة جلسات عدة للاستماع إلى المعنيين والخروج بخلاصات عملية.
المشكلة ليست في وجود مبنى قديم فحسب، فالعمر وحده لا يعني أن البناء مهدّد بالسقوط، بل في الأبنية التي تظهر فيها تشققات أو أضرار إنشائية أو مؤشرات تستدعي كشفًا هندسيًا وتدخّلًا قبل أن يتحول الخطر إلى مأساة. فكم مبنى يحتاج اليوم إلى كشف فعلي؟ وكم مبنى يمكن أن يكون الخطر فيه معروفًا من دون أن تصل المعالجة إلى خواتيمها؟
الملف يضع البلديات والمحافظات والجهات الفنية أمام مسؤولية مباشرة، لكنه في الوقت نفسه يكشف مشكلة أوسع تتعلق بقدرة الدولة على إدارة الأبنية المتضررة، خصوصًا عندما تكون المعالجة مكلفة أو عندما يكون أصحاب العقارات غير قادرين على تحمّل كلفة التدعيم أو الترميم.
والتشريع اللبناني يتضمن أصلًا آليات للتعامل مع الأبنية غير الآمنة. فقانون البناء يحمّل المالك مسؤولية صيانة ملكه وتأمين متانته وسلامة شاغليه والجوار، كما يتيح للبلدية، في حالات محددة وبعد الإجراءات القانونية والتقارير الفنية اللازمة، اتخاذ إجراءات تتعلق بالتدعيم أو الإخلاء أو الهدم عند وجود خطر.
لكن وجود النص القانوني لا يعني بالضرورة أن المشكلة انتهت. فالتحدي الحقيقي يبدأ عند الانتقال من تشخيص الخطر إلى معالجته، من يمسح الأبنية؟ من يحدد درجة الخطورة؟ من يدفع كلفة الكشف؟ ومن يمول التدعيم إذا كان صاحب العقار غير قادر؟ وماذا يحدث للسكان إذا أصبح الإخلاء ضروريًا؟
هذه الأسئلة ليست تفصيلية، لأن إخلاء عائلة من منزلها من دون توفير بديل قد يحوّل حماية الناس من خطر إنشائي إلى أزمة اجتماعية جديدة. وفي المقابل، ترك مبنى خطر مأهولًا بالسكان إلى حين حصول حادث يعني أن الدولة قد تجد نفسها أمام كلفة بشرية ومادية أكبر بكثير من كلفة التدخل المبكر.
واللافت أن الملف لا يقتصر على جهة واحدة، إذ شارك في جلسة 28 أيلول ممثلون عن وزارة العدل، ومحافظي بيروت وجبل لبنان، والهيئة العليا للإغاثة، والمجلس الوطني للبحوث العلمية، والمؤسسة العامة للإسكان، ووزارة الداخلية والبلديات، ما يعكس تعدد الجهات المرتبطة بالملف وتشعب المسؤوليات فيه.
وهنا تكمن العقدة الأساسية في أن المشكلة معروفة، والجهات المعنية موجودة، والقوانين موجودة. لكن هل توجد خطة وطنية واضحة ومتكاملة تمنع سقوط الأبنية قبل سقوطها؟
فبدل أن يتحرك لبنان بعد كل حادثة، المطلوب أن يتحول التعامل مع الأبنية المتصدعة من رد فعل إلى سياسة وقائية: مسح هندسي منظم، تصنيف واضح لدرجات الخطورة، قاعدة بيانات محدثة، آلية سريعة للإخلاء عند الضرورة، ومصادر تمويل واضحة للتدعيم والترميم أو تأمين مساكن بديلة عند الحاجة.
وفي بلدٍ شهد خلال السنوات الماضية أزمات اقتصادية وانفجارًا وأضرارًا واسعة في عدد كبير من المباني، يصبح التعامل مع سلامة الأبنية جزءًا من الأمن الاجتماعي والسلامة العامة، لا مجرد ملف هندسي مؤجل على طاولة اللجان.
فهل يتحرك لبنان قبل أن تتحول التشققات على الجدران إلى انهيار فوق رؤوس الناس؟
المصدر : الملفات















