جعجع يعلن المواجهة: لا دولة مع السلاح.. دعوة للشيعة ورسائل للحزب
في احتفال أقيم في معراب بمناسبة “شهداء المقاومة اللبنانية”، ألقى رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع خطاباً طويلاً رسم فيه خريطة المواجهة بين مشروع الدولة ومشروع السلاح، مؤكداً أنّ التجربة التي خاضتها القوات على مدى خمسين عاماً أثمرت واقعاً جديداً في الحياة الوطنية.
وشدّد جعجع منذ البداية على أنّ ما يميّز مسيرة حزبه هو الجرأة في لحظات الانكسار، قائلاً: “تجرّأنا حيث لم يجرؤ الآخرون ليبقى لبنان وتبقى لنا الحرية والسيادة، ونجرؤ اليوم وسنجرؤ دائماً وأبداً”، مضيفاً أنّ المواجهة اليومية والمتواصلة كانت شعار القوات حتى حين لم تكن موازين القوى لصالحها، إلى أن “دار التاريخ دورته وأثبت أنّ ما كان يرفض بالأمس أصبح أساساً لبناء لبنان الغد”.
ومن موقع الاستعادة التاريخية أراد جعجع أن يقدّم قراءة سياسية للحاضر. فالتضحيات التي قدّمتها “المقاومة اللبنانية”، لم تذهب سدى، بل تحوّلت إلى رصيد سياسي ومعنوي يكرّس القوات لاعباً أساسياً في المعادلة اللبنانية. واعتبر أنّ “الحجارة التي رذلها بنّاؤو السياسة الرخيصة في لبنان ورموا بها في السجون والمنافي، باتت اليوم حجارة الأساس لمشروع الدولة”، مشدداً على أنّ “العبرة في النهاية أنّه مهما طغى الشرّ فلن يصحّ إلّا الصحيح”.
لكن الخطاب لم يقتصر على البعد الرمزي، بل حمل تصعيداً مباشراً بوجه “محور الممانعة”، الذي اتّهمه جعجع بالتحكّم برقاب اللبنانيين عبر السلاح والإرهاب، وتدمير مؤسسات الدولة، ومصادرة قرار الحرب والسلم. واعتبر أنّ تورّط “حزب الله” في الحرب السورية كان خطيئة كبرى جرّت على لبنان الخراب، كاشفاً أنّ الحزب خسر تلك الحرب رغم محاولاته إنكار الواقع الجديد، وأنّ سلوكه اليوم يقوم على تحميل الدولة مسؤولية الانهيارات، فيما هو المتورط الأعمق في مشروع إقليمي لا علاقة للبنان به.
وفي هذا السياق، وضع جعجع الأزمة الوطنية في إطار مزدوج: الاحتلال الإسرائيلي من جهة، و”السلاح غير الشرعي” في الداخل من جهة ثانية، معتبراً أنّ الأخير تحوّل إلى ذريعة لإسرائيل لمواصلة اعتداءاتها، فيما لا يقدّم للبنان أي حماية فعلية.
وانطلاقاً من هذا التشخيص، أعاد رئيس القوات تثبيت المعادلة التي يعتبرها أساسية: لا خلاص للبنان إلّا بقيام دولة فعلية، ولا دولة فعلية بوجود سلاح خارجها. وأكد أنّ “أقصر طريق لإخراج إسرائيل من الجنوب ووقف اعتداءاتها هو قيام دولة قوية وموحّدة، وليس أي سلاح آخر”، رافضاً كل ما يُطرح من شعارات ممانعة بوصفها مجرّد ذرائع لإبقاء لبنان ساحة صراع.
وفي مقطع لافت من خطابه، توجّه جعجع إلى اللبنانيين الشيعة بخطاب وجداني مباشر، داعياً إياهم إلى “فك أسرهم بأيديهم” والعودة إلى تاريخهم اللبناني المشترك مع سائر المكوّنات، ومؤكداً أنّهم جزء أساسي من الوطن الذي أقرّه اتفاق الطائف والدستور. وطمأنهم إلى أنّ أحداً لا يريد تهميشهم أو إقصاءهم، بل على العكس فإن الدولة هي الضمانة الوحيدة لهم ولجميع اللبنانيين. هنا حاول جعجع أن يوجّه رسائل مزدوجة: الأولى تطمين بيئة حزب الله أنّ المشروع السيادي لا يستهدفها، والثانية تكريس صورة القوات كحامل لمشروع الدولة الجامعة لا لمشروع فئوي مضاد.
ولم يكتفِ جعجع برسم خطوط المواجهة مع حزب الله، بل حدّد بوضوح أنّ أي محاولة للهيمنة على القرار الوطني بعد اليوم لن تمرّ، وأنّ “لا أحد في لبنان يستطيع بمفرده حكم البلد أو التحكّم بمصير شعبه”. وهو إذ استبعد سيناريوهات الحرب الأهلية الجديدة، حذّر من أنّ الاستمرار في ضرب قواعد العيش المشترك والسلم الأهلي سيقود إلى عواقب وخيمة.
اليوم، بدا خطاب جعجع أكثر من مناسبة تذكارية، لقد تحوّل إلى منصّة سياسية لتكريس معادلة واضحة: مشروع الدولة في مواجهة مشروع السلاح. وهو بذلك أعاد التموضع في قلب النقاش الوطني الدائر اليوم حول خطة الحكومة والجيش لحصر السلاح بيد الدولة، مقدّماً نفسه وحزبه كركيزة أساسية في هذا المسار.
في الوقت ذاته حمل خطابه رسائل تطمين للشيعة ورسائل تحدٍ لحزب الله، ورسائل تطمين داخلية وخارجية بأنّ المواجهة لن تكون عسكرية بل دستورية وقانونية. وبذلك يكون جعجع قد استثمر المناسبة ليعيد طرح معادلة “لبنان أولاً” بشكل أكثر حدّة ووضوحاً، رابطاً بين الماضي النضالي للحزب والحاضر السياسي الذي يضع البلاد أمام استحقاق وجودي: إمّا دولة فعلية ذات سيادة، أو ساحة مشرّعة أمام السلاح والوصايات.
المصدر : الملفات















